إلا عملناه وانتهينا عن المنكر حتى لم يبق شيء من المنكر إلا انتهينا عنه ، أيسعنا أن لا
نأمر بالمعروف ولا ننهى عن المنكر ؟ قال : " مروا بالمعروف وإن لم تعملوا به كله ،
وانهو عن المنكر وإن لم تنتهوا عنه كله " ، فأجرى النبي صلى الله عليه وسلم فرض الأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر مجرى سائر الفروض في لزوم القيام به مع التقصير في بعض الواجبات . ولم
يدفع أحد من علماء الأمة وفقهائها سلفهم وخلفهم وجوب ذلك إلا قوم من الحشو
وجهال أصحاب الحديث ، فإنهم أنكروا قتال الفئة الباغية والأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر بالسلاح ، وسموا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فتنة إذا احتيج فيه إلى حمل
السلاح وقتال الفئة الباغية ، مع ما قد سمعوا فيه من قول الله تعالى : ( فقاتلوا التي تبغي
حتى تفئ إلى أمر الله ) [ الحجرات : 9 ] وما يقتضيه اللفظ من وجوب قتالها بالسيف
وغيره ، وزعموا مع ذلك أن السلطان لا ينكر عليه الظلم والجور وقتل النفس التي حرم
الله وإنما ينكر على غير السلطان بالقول أو باليد بغير سلاح ، فصاروا شرا على الأمة من
أعدائها المخالفين لها ، لأنهم أقعدوا الناس عن قتال الفئة الباغية وعن الانكار على
السلطان الظلم والجور ، حتى أدى ذلك إلى تغلب الفجار بل المجوس وأعداء الاسلام
حتى ذهبت الثغور وشاع الظلم وخربت البلاد وذهب الدين والدنيا وظهرت الزندقة والغلو
ومذاهب الثنوية والخرمية والمزدكية ، والذي جلب ذلك كله عليهم ترك الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر والإنكار على السلطان الجائر ، والله المستعان .
وقد حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا محمد بن عباد الواسطي
قال : حدثنا يزيد بن هارون قال : أخبرنا إسرائيل قال : حدثنا محمد بن جحادة عن عطية
العوفي عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أفضل الجهاد كلمة عدل عند
سلطان جائر أو أمير جائر " . وحدثنا محمد بن عمر قال : أخبرني أحمد بن محمد بن
عمرو بن مصعب المروزي قال : سمعت أبا عمارة قال : سمعت الحسن بن رشيد يقول :
سمعت أبا حنيفة يقول : أنا حدثت إبراهيم الصائغ عن عكرمة عن ابن عباس : قال
النبي صلى الله عليه وسلم : " سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه
فقتله " .
قوله تعالى : ( وما الله يريد ظلما للعباد ) قد اقتضى ذلك نفي إرادة الظلم من كل
وجه ، فلا يريد هو أن يظلمهم ولا يريد أيضا ظلم بعضهم لبعض لأنهما سواء في منزلة
القبح ، ولو جاز أن يريد ظلم بعضهم لجاز أن يريد ظلمه لهم ، ألا ترى أنه لا فرق في
أحكام القرآن — صفحة 43
مساهمون: الجصاص
ص٤٣