( والدم ) كانت الألف واللام للمعهود ، وهو الدم المخصوص بالصفة ، وهو أن يكون
مسفوحا ، وقوله صلى الله عليه وسلم : " أحلت لي ميتتان ودمان " إنما ورد مؤكدا لمقتضى قوله عز وجل :
( قل لا أجد فيما أوحى إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا )
[ الانعام : 196 ] إذ ليسا بمسفوحين ، ولو لم يرد لكانت دلالة الآية كافية في الاقتصار
بالتحريم على المسفوح منه دون غيره وأن الكبد والطحال غير محرمين .
وقوله تعالى : ( ولحم الخنزير ) فإنه قد تناول شحمه وعظمه وسائر أجزائه ، ألا
ترى أن الشحم المخالط للحم قد اقتضاه اللفظ لأن اسم اللحم يتناوله ؟ ولا خلاف بين
الفقهاء في ذلك ، وإنما ذكر اللحم لأنه معظم منافعه ، وأيضا فإن تحريم الخنزير لما كان
مبهما اقتضى ذلك تحريم سائر أجزائه كالميتة والدم ، وقد ذكرنا حكم شعره وعظمه فيما
تقدم .
وأما قوله : ( وما أهل لغير الله به ) فإن ظاهره يقتضي تحريم ما سمي عليه غير
الله ، لأن الإهلال هو إظهار الذكر والتسمية ، وأصله استهلال الصبي إذا صاح حين يولد ،
ومنه إهلال المحرم ، فينتظم ذلك تحريم ما سمي عليه الأوثان على ما كانت العرب
تفعله ، وينتظم أيضا تحريم ما سمي عليه اسم غير الله أي اسم كان ، فيوجب ذلك أنه لو
قال عند الذبح : " باسم زيد أو عمرو " أن يكون غير مذكى ، وهذا يوجب أن يكون ترك
التسمية عليه موجبا تحريمها ، وذلك لأن أحدا لا يفرق بين تسمية زيد على الذبيحة وبين
ترك التسمية رأسا .
قوله تعالى : ( والمنخنقة ) فإنه روي عن الحسن وقتادة والسدي والضحاك أنها
التي تختنق بحبل الصائد أو غيره حتى تموت ، ومن نحوه حديث عباية بن رفاعة عن
رافع بن خديج ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ذكوا بكل شئ إلا السن والظفر " ، وهذا عندنا على
السن والظفر غير المنزوعين ، لأنه يصير في معنى المخنوق .
وأما قوله تعالى : ( والموقوذة ) فإنه روي عن ابن عباس والحسن وقتادة والضحاك
والسدي أنها المضروبة بالخشب ونحوه حتى تموت ، يقال فيه : وقذه يقذه وقذا وهو
وقيذ ، إذا ضربه حتى يشفى على الهلاك . ويدخل في الموقوذة كل ما قتل منها على غير
وجه الزكاة ، وقد روى أبو عامر العقدي عن زهير بن محمد عن زيد بن أسلم عن ابن
عمر ، أنه كان يقول في المقتولة بالبندقة : " تلك الموقوذة " . وروى شعبة عن قتادة عن
عقبة بن صهبان عن عبد الله بن المغفل ، أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الخذف وقال : " إنها لا تنكأ
العدو ولا تصيد الصيد ولكنها تكسر السن وتفقأ العين " . ونظير ذلك ما حدثنا محمد بن
بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا محمد بن عيسى قال : حدثنا جرير عن منصور عن
أحكام القرآن — صفحة 382
مساهمون: الجصاص
ص٣٨٢