تركه ولما قرنه إلى مشاقة رسول الله صلى الله عليه وسلم . وهذا يدل على النهي عن المقام بين أظهر
المشركين ، لقوله تعالى : ( ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ) وهذا يدل على
الخروج من أرض الشرك إلى أي أرض كانت من أرض الاسلام . وروي عن ابن عباس
والضحاك وقتادة والسدي أن الآية نزلت في قوم من أهل مكة تخلفوا عن الهجرة وأعطوا
المشركين المحبة وقتل قوم منهم ببدر على ظاهر الردة ، ثم استثنى منهم الذين أقعدهم
الضعف بقوله : ( إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا
يهتدون سبيلا ) يعني طريقا إلى المدينة دار الهجرة .
وقوله تعالى : ( فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم ) ، قال الحسن : عسى من الله
واجبة . وقيل : إنها بمنزلة الوعد ، لأنه لا يخبر بذلك عن شك . وقيل : إنما هذا على
شك العباد ، أي كونوا أنتم على الرجاء والطمع .
قوله تعالى : ( ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة ) ، قيل
في المراغم أنه أراد متسعا لهجرته ، لأن الرغم أصله الذل ، تقول : فعلت ذلك على الرغم
من فلان ، أي فعلته على الذل والكره . والرغام التراب ، لأنه يتيسر لمن رامه مع
احتقاره . وأرغم الله أنفه أي ألصقه بالتراب إذلالا له ، فقال تعالى : ( ومن يهاجر في
سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة ) أي يجد في الأرض متسعا سهلا ، كما
قال تعالى : ( هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه
النشور ) [ الملك : 15 ] . فمراغم وذلول متقاربان في المعنى . وقيل في المراغم أنه ما
يرغم به من كان يمنعه من الهجرة . وأما قوله تعالى : ( وسعة ) ، فإنه روي عن ابن عباس
والربيع بن أنس والضحاك : أنه السعة في الرزق . وروي عن قتادة : أنه السعة في إظهار
الدين لما كان يلحقهم من تضييق المشركين عليهم في أمر دينهم حتى يمنعوهم من
إظهاره .
وقوله عز وجل : ( ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت
فقد وقع أجره على الله ) فيه إخبار بوجوب أجر من هاجر إلى الله ورسوله وإن لم تتم
هجرته ، وهذا يدل على أن من خرج متوجها لفعل شئ من القرب أن الله يجازيه بقدر
نيته وسعيه وإن اقتطع دونه ، كما أوجب الله أجر من خرج مهاجرا وإن لم تتم هجرته .
وفيه ما يدل على صحة قول أبي يوسف ومحمد فيمن خرج يريد الحج ثم مات في بعض
الطريق وأوصى أن يحج عنه أنه يحج عنه من الموضع الذي مات فيه ، وكذلك الحاج عن
الميت أو عمن ليس عليه فرض الحج بنفسه أنه يحج عنه من حيث مات الذي قصد
أحكام القرآن — صفحة 314
مساهمون: الجصاص
ص٣١٤