قال : حدثنا يونس بن بكير قال : حدثنا قيس بن الربيع عن أبي حصين عن إبراهيم ابن
بنت النعمان بن بشير عن النعمان بن بشير قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كل شئ سوى
الحديدة خطأ ولكل خطأ أرش " . وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال : حدثنا محمد بن
يحيى بن سهل بن محمد العسكري قال : حدثنا محمد بن المثنى قال : حدثنا يوسف بن
يعقوب الضبعي قال : حدثنا سفيان الثوري وشعبة عن جابر الجعفي عن أبي عازب عن
النعمان بن بشير قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كل شئ خطأ إلا السيف وفي كل خطأ
أرش " . وأيضا لما اتفقوا على أنه لو جرحه بسكين صغيرة لم يختلف حكمها وحكم
الكبيرة في وجوب القصاص ، فوجب أن لا يختلف حكم الصغير والكبير من الحجر
والخشب في سقوطه ، وهذا يدل على أن الحكم في إيجاب القصاص متعلق بالآلة ، وهي
أن تكون سلاحا أو يعمل عمل السلاح .
فإن قيل : على ما روينا من قوله صلى الله عليه وسلم : " قتيل خطأ العمد " أن العمد لا يكون خطأ
ولا الخطأ عمدا ، وهذا يدل على فساد الحديث . قيل : ليس كذلك ، لأنه سماه خطأ
العمد لأنه خطأ في الحكم عمد في الفعل ، وذلك معنى صحيح لأنه دل به على التغليظ
من حيث هو عمد وعلى سقوط القود من حيث هو في حكم الخطأ .
فإن قيل : قوله تعالى : ( كتب عليكم القصاص في القتلى ) [ البقرة : 178 ] وقوله :
( النفس بالنفس ) [ المائدة : 45 ] وسائر الآي التي فيها إيجاب القصاص يوجبه على
القاتل بالحجر العظيم . قيل له : لا خلاف أن هذه الآي إنما أوجبت القصاص في العمد ،
وهذا ليس بعمد ، ومع ذلك فإن الآي وردت في إيجاب القصاص في الأصل والآثار التي
ذكرنا واردة فيما يجب فيه القصاص ، فكل واحد منهما مستعمل فيما ورد فيه لا يعترض
بأحدهما على الآخر . وأيضا قال الله تعالى : ( ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة
ودية مسلمة إلى أهله ) وسمى النبي صلى الله عليه وسلم شبه العمد قتيل خطأ العمد ، فلما أطلق عليه اسم
الخطأ وجب أن تكون فيه الدية .
فإن احتجوا بحديث ابن عباس في قصة المرأتين قتلت إحداهما الأخرى بمسطح
فأوجب النبي صلى الله عليه وسلم عليها القصاص . قيل له : قد بينا اضطراب الحديث وما عارضه من
رواية حمل بن مالك في إيجاب الدية دون القود ، ولو ثبت القود أيضا فإن ذلك إنما كان
في شئ بعينه ليس بعموم في جميع من قتل بمسطح ، وجائز أن يكون كان فيه حديد
وأصابها الحديد دون الخشب ، فمن أجله أوجب النبي صلى الله عليه وسلم فيه القود .
فإن احتجوا بما روي أن يهوديا رضخ رأس جارية بالحجارة فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن
يرضح رأسه . قيل له : جائز أن يكون كان لها مروة ، وهي التي لها حد يعمل عمل
أحكام القرآن — صفحة 290
مساهمون: الجصاص
ص٢٩٠