ائتمن المستعير عليها حين دفعها إليه ، وإذا كان أمينا لم يلزمه ضمانها ، لأنا روينا عن
النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا ضمان على مؤتمن " وذلك عموم في نفي الضمان عن كل مؤتمن .
وأيضا لما كانت مقبوضة بإذن مالكها لا على شرط الضمان لم يضمنها كالوديعة . وأيضا
قد اتفق الجميع على نفي ضمان الثوب المستأجر مع شرط بذل المنافع إذا لم يشترط عليه
ضمان بدل المقبوض ، فالعارية أولى أن لا تكون مضمونة إذ ليس فيها ضمان مشروط
بوجه . ومن جهة أخرى أن المقبوض على وجه الإجارة مقبوض لاستيفاء المنافع ولم
يكن مضمونا ، فوجب أن لا تضمن العارية إذ كانت مقبوضة لاستيفاء المنافع . وأيضا لما
كانت الهبة غير مضمونة على الموهوب له لأنها مقبوضة بإذن مالكها لا على شرط ضمان
البدل وهي معروف وتبرع ، وجب أن تكون العارية كذلك ، إذ هي معروف وتبرع . وأيضا
قد اتفق الجميع على أن العارية لو نقصت بالاستعمال لم يضمن النقصان ، فإذا كان الجزء
منها غير مضمون مع حصول القبض عليه وجب أن لا يضمن الكل ، لأن ما تعلق ضمانه
بالقبض لا يختلف فيه حكم الكل والبعض ، كالغصب والمقبوض ببيع فاسد ، فلما اتفق
الجميع على أن الجزء الفائت بالنقصان غير مضمون وجب أن لا يضمن الجميع كالودائع
وسائر الأمانات .
وقد اختلف في ألفاظ حديث صفوان بن أمية في العارية ، فذكر بعضهم فيه الضمان
ولم يذكره بعضهم . وروى شريك عن عبد العزيز بن رفيع عن ابن أبي مليكة عن أمية بن
صفوان بن أمية عن أبيه قال : استعار النبي صلى الله عليه وسلم من صفوان أدراعا من حديد يوم حنين ،
فقال له : يا محمد مضمونة ؟ فقال : " مضمونة " ، فضاع بعضها ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " إن
شئت غرمناها لك " فقال : لا ، أنا أرغب في الاسلام من ذلك يا رسول الله . ورواه
إسرائيل عن عبد العزيز بن رفيع عن ابن أبي مليكة عن صفوان بن أمية ، قال : استعار
رسول الله صلى الله عليه وسلم من صفوان بن أمية أدراعا فضاع بعضها ، فقال : " إن شئت غرمناها لك " ،
فقال : لا يا رسول الله . فوصله شريك وذكر فيه الضمان وقطعه إسرائيل ولم يذكر
الضمان . وروى قتادة عن عطاء : أن النبي صلى الله عليه وسلم استعار من صفوان بن أمية دروعا يوم
حنين ، فقال له : أمؤداة يا رسول الله العارية ؟ فقال : " نعم " . وروى جرير عن
عبد العزيز بن رفيع عن أناس من آل عبد الله بن صفوان قال : أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يغزو
حنينا ، وذكر الحديث من غير ذكر ضمان . ويقال إنه ليس في رواة هذا الحديث أحفظ
ولا أتقن ولا أثبت من جرير بن عبد الحميد ، ولم يذكر الضمان ، ولو تكافأت الرواة فيه
حصل مضطربا . وقد روي في أخبار أخر من طريق أبي أمامة وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
" العارية مؤداة " . وإن صح ذكر الضمان في حديث صفوان فإن معناه ضمان الأداء ، كما
أحكام القرآن — صفحة 261
مساهمون: الجصاص
ص٢٦١