خاصا في ولاة الأمر على ما ذكرنا في نظائره في القرآن وغيره .
قال أبو بكر : ما اؤتمن عليه الانسان فهو أمانة ، فعلى المؤتمن عليها ردها إلى
صاحبها ، فمن الأمانات الودائع وعلى مودعيها ردها إلى من أودعه إياها ، ولا خلاف بين
فقهاء الأمصار أنه لا ضمان على المودع فيها إن هلكت . وقد روي عن بعض السلف فيه
الضمان ، ذكر الشعبي عن أنس قال : " استحملني رجل بضاعة فضاعت من بين ثيابي ،
فضمنني عمر بن الخطاب " . وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال : حدثنا حامد بن محمد قال :
حدثنا شريح قال : حدثنا ابن إدريس عن هشام بن حسان عن أنس بن سيرين عن أنس بن
مالك قال : " استودعت ستة آلاف درهم ، فذهبت ، فقال لي عمر : ذهب لك معها شئ ؟
قلت : لا ، فضمنني " . وروى حجاج عن أبي الزبير عن جابر : أن رجلا استودع متاعا ،
فذهب من بين متاعه ، فلم يضمنه أبو بكر رضي الله عنه ، وقال : هي أمانة . وحدثنا عبد
الباقي بن قانع قال : حدثنا إسماعيل بن الفضل قال : حدثنا قتيبة قال : حدثنا ابن لهيعة
عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من استودع وديعة فلا ضمان
عليه " . وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال : حدثنا إبراهيم بن هاشم قال : حدثنا محمد بن
عون قال : حدثنا عبد الله بن نافع عن محمد بن نبيه الحجبي عن عمرو بن شعيب عن أبيه
عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا ضمان على راع ولا على مؤتمن " .
قال أبو بكر : قوله صلى الله عليه وسلم : " لا ضمان على مؤتمن " يدل على نفي ضمان العارية ، لأن
العارية أمانة في يد المستعير ، إذ كان المعير قد ائتمنه عليها ، ولا خلاف بين الفقهاء في
نفي ضمان الوديعة إذا لم يتعد فيها المودع . وما روي عن عمر في تضمين الوديعة فجائز
أن يكون المودع اعترف بفعل يوجب الضمان عنده ، فلذلك ضمنه .
واختلف الفقهاء في ضمان العارية بعد اختلاف من السلف فيه ، فروي عن عمر
وعلي وجابر وشريح وإبراهيم : " أن العارية غير مضمونة " . وروي عن ابن عباس وأبي
هريرة : " أنها مضمونة " . وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والحسن بن زياد :
" هي غير مضمونة إذا هلكت " ، وهو قول ابن شبرمة والثوري والأوزاعي . وقال عثمان
البتي : " المستعير ضامن لما استعاره إلا الحيوان والعقل ، فإن اشترط عليه في الحيوان
والعقل الضمان فهو ضامن " . وقال مالك : " لا يضمن الحيوان في العارية ويضمن الحلي
والثياب ونحوها " . وقال الليث : " لا ضمان في العارية ولكن أبا العباس أمير المؤمنين قد
كتب إلي بأن أضمنها فالقضاء اليوم على الضمان " . وقال الشافعي : " كل عارية
مضمونة " .
قال أبو بكر : والدليل على نفي ضمانها عند الهلاك إذا لم يتعد فيها أن المعير قد
أحكام القرآن — صفحة 260
مساهمون: الجصاص
ص٢٦٠