في وجهه فحثا في وجهه التراب وقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إذا رأيتم المداحين
فاحثوا في وجوههم التراب " . وقد روي : " إياكم والتمادح فإنه الذبح " . فهذا إذا كان على
وجه الفخر فقد كره ، وأما أن يتحدث بنعم الله عنده أو يذكرها غيره بحضرته فهذا نرجو
أن لا يضر ، إلا أن أصلح الأشياء لقلب الانسان أن لا يغتر بمدح الناس له ولا يعتد به .
وقوله تعالى : ( والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم
الآخر ) معناه والله أعلم : أنه أعد للذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل والذين ينفقون
أموالهم رياء الناس عذابا مهينا ، وفي ذلك دليل على أن كل ما يفعله العبد لغير وجه الله
فإنه لا قربة فيه ولا يستحق عليه الثواب ، لأن ما يفعل على وجه الرياء فإنما يريد به
عوضا من الدنيا كالذكر الجميل والثناء الحسن ، فصار ذلك أصلا في أن كل ما أريد به
عوض من أعواض الدنيا أنه ليس بقربة ، كالاستيجار على الحج وعلى الصلاة الصلاة وسائر
القرب ، أنه متى استحق عليه عوضا يخرج بذلك عن باب القربة . وقد علمنا أن هذه
الأشياء سبيلها أن لا تفعل إلا على وجه القربة ، فثبت بذلك أنه لا يجوز أن يستحق عليها
الأجرة وأن الإجارة عليها باطلة .
قوله تعالى : ( وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله ) يدل
على بطلان مذهب أهل الجبر ، لأنهم لو لم يكونوا مستطيعين للإيمان بالله والإنفاق لما
جاز أن يقال ذلك فيهم ، لأن عذرهم واضح وهو أنهم غير ممكنين مما دعوا إليه ولا
قادرين عليه ، كما لا يقال للأعمى : " ماذا عليه لو أبصر " ولا يقال للمريض : " ماذا عليه
لو كان صحيحا " ، وفي ذلك أوضح دليل على أن الله قطع عذرهم من فعل ما كلفهم من
الإيمان وسائر الطاعات وأنهم ممكنون من فعلها .
وقوله تعالى : ( يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا
يكتمون الله حديثا ) ، فأخبر الله عنهم أنهم لا يكتمون الله هناك شيئا من أحوالهم وما
عملوه ، لعلمهم بأن الله مطلع عليهم عالم بأسرارهم ، فيقرون بها ولا يكتمونها . وقيل :
يجوز أن يكون المراد أنهم لا يكتمون أسرارهم هناك كما كانوا يكتمونها في الدنيا .
فإن قيل : قد أخبر الله عنهم أنهم يقولون والله ربنا ما كنا مشركين . قيل له : فيه
وجوه ، أحدها : أن الآخرة مواطن فموطن لا تسمع فيه إلا همسا أي صوتا خفيا ، وموطن
يكذبون فيه فيقولون ما كنا نعمل من سوء والله ربنا ما كنا مشركين ، وموطن يعترفون فيه
بالخطأ ويسألون الله أن يردهم إلى دار الدنيا ، وروي ذلك عن الحسن . وقال ابن عباس :
أحكام القرآن — صفحة 251
مساهمون: الجصاص
ص٢٥١