" الجار أحق بصقبه ينتظر به وإن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا " . فهذان الخبران قد
رويا عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وغير جائز أن نجعلهما متعارضين مع إمكان استعمالهما
جميعا ، وقد يمكننا استعمالهما على الوجه الذي ذكرنا ، ومخالفونا يجعلونهما متعارضين
ويسقطون أحدهما بالآخر .
مطلب : إذا خرج الكلام على سبب فلا مفهوم له عند الفقهاء
وأيضا جائز أن يكون ذلك كلاما خرج على سبب ، فنقل الراوي لفظ النبي صلى الله عليه وسلم
وترك نقل السبب ، نحو أن يختصم إليه رجلان أحدهما جار والآخر شريك ، فيحكم
بالشفعة للشريك دون الجار ، وقال : فإذا وقعت الحدود فلا شفعة لصاحب النصيب
المقسوم مع الجار ، كما روى أسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا ربا إلا في النسيئة "
وهو عند سائر الفقهاء كلام خارج على سبب اقتصر فيه راويه على نقل قول النبي صلى الله عليه وسلم دون
ذكر السبب ، وهو أن يكون سئل عن النوعين المختلفين من الذهب والفضة إذا بيع
أحدهما بالآخر ، فقال صلى الله عليه وسلم : " لا ربا إلا في النسيئة " يعني فيما سئل عنه ، كذلك ما ذكرنا .
وأيضا لو تساوت أخبار إيجاب الشفعة بالجوار وأخبار نفيها ، لكانت أخبار
الإيجاب أولى من أخبار النفي ، لأن الأصل أنها غير واجبة حتى يرد الشرع بإيجابها ،
فخبر نفي الشفعة وارد على الأصل وخبر إثباتها ناقل عنه وارد بعده فهو أولى .
فإن قيل : يحتمل أن يريد بالجار الشريك . قيل له : هذه الأخبار التي رويناها
أكثرها ينفي هذا التأويل ، لأن فيها أن جار الدار أحق بشفعة داره ، والشريك لا يسمى
جار الدار ، وحديث جابر قال فيه : " ينتظر به وإن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا " وغير
جائز أن يكون هذا في الشريك في المبيع . وأيضا فإن الشريك لا يسمى جارا ، لأنه لو
استحق اسم الجوار بالشركة لوجب أن يكون كل شريكين في شئ جارين ، كالشريكين
في عبد واحد ودابة واحدة ، فلما لم يستحق اسم الجار بالشركة في هذه الأشياء دل ذلك
على أن الشريك لا يسمى جارا ، وإنما الجار هو الذي ينفرد حقه ونصيبه من حق الشريك
ويتميز ملك كل واحد عن ملك صاحبه . وأيضا فإن الشركة إنما تستحق بها الشفعة لأنها
تقتضي حصول الجوار بالقسمة ، والدليل عليه أن الشركة في سائر الأشياء لا توجب
الشفعة لعدم حصول الجوار بها عند القسمة ، فدل ذلك على أن الشركة في العقار إنما
تستحق بها الشفعة لما يتعلق بها من الجوار عند القسمة ، وإن كان الشريك أحق من الجار
أحكام القرآن — صفحة 248
مساهمون: الجصاص
ص٢٤٨