لصلاة المغرب فقرأ : ( قل أيها الكافرون ) [ الكافرون : 1 ] ، فالتبس عليه فأنزل الله
تعالى : ( لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ) " . وحدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال :
حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان المؤدب قال : حدثنا أبو عبيد قال : حدثنا حجاج عن ابن
جريج وعثمان بن عطاء عن عطاء الخراساني عن ابن عباس ، في قوله تعالى : ( يسألونك
عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس ) [ البقرة : 219 ] ، وقال في سورة
النساء : ( لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ) ثم نسختها هذه الآية :
( يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام ) [ المائدة : 90 ] الآية . قال
أبو عبيد : وحدثنا عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن
عباس في قوله تعالى : ( يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ) [ البقرة : 219 ]
قال : وقوله تعالى : ( لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ) قال : " كانوا
لا يشربونها عند الصلاة فإذا صلوا العشاء شربوها " . قال أبو عبيد : حدثنا عبد الرحمن
عن سفيان عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة قال : قال عمر : اللهم بين لنا في الخمر !
فنزلت : ( لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ) ، وذكر الحديث . قال
أبو عبيد : وحدثنا هشيم قال : أخبرنا مغيرة عن أبي رزين قال : " شربت الخمر بعد الآية
التي في سورة البقرة والتي في سورة النساء ، وكانوا يشربونها حتى تحضر الصلاة فإذا
حضرت الصلاة تركوها ، ثم حرمت في المائدة " .
قال أبو بكر : فأخبر هؤلاء أن المراد السكر من الشراب ، وأخبر ابن عباس وأبو
رزين أنهم تركوا شربها بعد نزول الآية عند الصلاة وشربوها في غير أوقات الصلوات ،
ففي هذا دلالة على أنهم عقلوا من قوله تعالى : ( لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ) النهي
عن شربها في الحال التي يكونون فيها سكارى عند لزوم فرض الصلاة ، وهذا يدل على
أن قوله تعالى : ( لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ) إنما أفاد النهي عن شربها في أوقات
الصلوات ، وكان معناه : لا يكن منكم شرب تصيرون به إلى حال السكر عند أوقات
الصلوات فتصلوا وأنتم سكارى ، وذلك أنهم لما كانوا متعبدين بفعل الصلوات في أوقاتها
منهيين عن تركها ، قال تعالى : ( لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ) ، وقد علمنا أنه لم
ينسخ بذلك فرض الصلاة ، كان في مضمون هذا اللفظ النهي عما يوجب السكر عند
أوقات الصلوات ، كما أنه لما نهينا عن فعل الصلاة مع الحدث لقوله تعالى : ( إذا قمتم
إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ) [ المائدة : 6 ] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا يقبل الله صلاة بغير
طهور " ، وكما قال تعالى : ( ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا ) ، كان ذلك نهيا عن
ترك الطهارة ولم يكن نهيا عن فعل الصلاة . ولم يوجب كون الانسان جنبا أو محدثا
أحكام القرآن — صفحة 253
مساهمون: الجصاص
ص٢٥٣