إلى هذا المعنى إذ كان الزاني إنما سمي مسافحا لأنه لم يحصل له من وطئها فيما يتعلق
بحكمه إلا على سفح الماء باطلا من غير استلحاق نسب به ، فمن حيث نفى الله تعالى بما
أحل من ذلك وأثبت به الإحصان اسم السفاح وجب أن لا يكون المراد بالاستمتاع هو
المتعة إذ كانت في معنى السفاح ، بل المراد به النكاح . وقوله تعالى : ( غير مسافحين )
شرط في الإباحة المذكورة ، وفي ذلك دليل على النهي عن المتعة ، إذ كانت المتعة في
معنى السفاح من الوجه الذي ذكرنا .
قال أبو بكر : فكان الذي شهر عنه إباحة المتعة من الصحابة عبد الله بن عباس ،
واختلفت الروايات عنه مع ذلك ، فروى عنه إباحتها بتأويل الآية ، وقد بينا أنه لا دلالة في
الآية على إباحتها ، بل دلالات الآية ظاهرة في حظرها وتحريمها من الوجوه التي ذكرنا .
ثم روى عنه أنه جعلها بمنزلة الميتة ولحم الخنزير والدم وأنها لا تحل إلا لمضطر ، وهذا
محال لأن الضرورة المبيحة للمحرمات لا توجد في المتعة ، وذلك لأن الضرورة المبيحة
للميتة والدم هي التي يخاف معها تلف النفس إن لم يأكل ، وقد علمنا أن الانسان لا
يخاف على نفسه ولا على شئ من أعضائه التلف بترك الجماع وفقده ، وإذا لم تحل في
حال الرفاهية والضرورة لا تقع إليها فقد ثبت حظرها واستحال قول القائل إنها تحل عند
الضرورة كالميتة والدم ، فهذا قول متناقض مستحيل ، وأخلق بأن تكون هذه الرواية عن
ابن عباس وهما من رواتها ، لأنه كان رحمه الله أفقه من أن يخفى عليه مثله ، فالصحيح
إذا ما روي عنه من حظرها وتحريمها وحكاية من حكي عنه الرجوع عنها .
والدليل على تحريمها قوله تعالى : ( والذين هم لفروجهم حافظون إلا على
أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم
العادون ) [ المؤمنون : 5 - 7 ] فقصر إباحة الوطء على أحد هذين الوجهين وحظر ما
عداهما بقوله تعالى : ( فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون ) [ المؤمنون : 7 ]
والمتعة خارجة عنهما فهي إذا محرمة .
فإن قيل : ما أنكرت أن تكون المرأة المستمتع بها زوجة وأن المتعة غير خارجة عن
هذين الوجهين اللذين قصر الإباحة عليهما ؟ قيل له : هذا غلط ، لأن اسم الزوجة إنما يقع
عليها ويتناولها إذا كانت منكوحة بعقد نكاح ، وإذا لم تكن المتعة نكاحا لم تكن هذه
زوجة . فإن قيل : ما الدليل على أن المتعة ليست بنكاح ؟ قيل له : الدليل على ذلك أن
النكاح اسم يقع على أحد معنيين : وهو الوطء والعقد ، وقد بينا فيما سلف أنه حقيقة في
الوطء مجاز في العقد ، وإذا كان الاسم مقصورا في إطلاقه على أحد هذين المعنيين وكان
إطلاقه في العقد مجازا على ما ذكرنا ووجدناهم أطلقوا الاسم على عقد تزويج مطلق أنه
أحكام القرآن — صفحة 187
مساهمون: الجصاص
ص١٨٧