على أبي أنه حدث : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنها في حجة الوداع " . وروى عبد العزيز بن
الربيع بن سبرة عن أبيه عن جده : أن ذلك كان عام الفتح ، ورواه إسماعيل بن عياش عن
عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز عن الربيع بن سبرة عن أبيه مثله ، وذكر أنه كان عام
الفتح ، ورواه أنس بن عياض الليثي عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز عن الربيع بن
سبرة عن أبيه مثله ، وقال : " كان في حجة الوداع " . فلم تختلف الرواة في التحريم ،
واختلفوا في التاريخ ، فسقط التاريخ كأنه ورد غير مؤرخ ، وثبت التحريم لاتفاق الرواة
عليه . ورواه أبو حنيفة عن الزهري عن محمد بن عبد الله عن سبرة الجهني : " أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن متعة النساء يوم فتح مكة " . وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال : حدثنا
ابن ناحية قال : حدثنا محمد بن مسلم الرازي قال : حدثنا عمرو بن أبي سلمة قال : حدثنا
صدقة عن عبيد الله بن علي عن إسماعيل بن أمية عن محمد بن المنكدر عن جابر بن
عبد الله قال : خرج النساء اللاتي استمتعنا بهن معنا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هن حرام إلى
يوم القيامة " .
فإن قيل : هذه الأخبار متضادة لأن في حديث سبرة الجهني أن النبي صلى الله عليه وسلم أباحها لهم
في حجة الوداع ، وقال بعضهم : عام الفتح ، وفي حديث علي وابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم
حرمها يوم خيبر ، وخيبر كانت قبل الفتح وقبل حجة الوداع ، فكيف تكون مباحة عام
الفتح أو في حجة الوداع وقد حرمت قبل ذلك عام خيبر ؟ قيل له : الجواب عن هذا من
وجهين ، أحدهما : أن حديث سبرة مختلف في تاريخه ، فقال بعضهم : عام الفتح ، وقال
بعضهم : في حجة الوداع ، وفي كلا الحديثين أن النبي صلى الله عليه وسلم أباحها في تلك السفرة ثم
حرمها ، فلما اختلفت الرواة في تاريخه سقط التاريخ وحصل الخبر غير مؤرخ ، فلا يضاد
حديث علي وابن عمر الذي اتفقا على تاريخه أنه حرمها يوم خيبر . والوجه الآخر أنه
جائز أن يكون حرمها يوم خيبر ثم أحلها في حجة الوداع أو في فتح مكة ثم حرمها ،
فيكون التحريم المذكور في حديث علي وابن عمر منسوخا بحديث سبرة الجهني ، ثم
تكون الإباحة منسوخة بما في حديث سبرة أيضا ، لأن ذلك غير ممتنع .
فإن قيل : روى إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن ابن مسعود قال :
" كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس لنا نساء ، فقلنا : يا رسول الله ألا نستخصي ؟ فنهانا عن
ذلك ورخص لنا أن ننكح بالثوب إلى أجل ، ثم قال : ( لا تحرموا طيبات ما أحل الله
لكم ) [ المائدة : 87 ] الآية " . قيل له : هذه المتعة هي التي حرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم في سائر
الأخبار التي ذكرنا ، ولم ننكر نحن أنها قد كانت أبيحت في وقت ثم حرمت ، وليس في
حديث ابن مسعود ذكر التاريخ ، فأخبار الحضر قاضية عليها لأن فيها ذكر الحضر بعد
أحكام القرآن — صفحة 190
مساهمون: الجصاص
ص١٩٠