فإن قيل : قد ذكر في حديث أبي سعيد الذي ذكرت : " إذا انقضت عدتهن " فجعل
ذلك عدة . قيل له : يجوز أن تكون هذه اللفظة من كلام الراوي تأويلا منه للاستبراء أنه
عدة ، وجائز أن تكون العدة لما كان أصلها استبراء الرحم أجرى اسم العدة على الاستبراء
على وجه المجاز .
قال أبو بكر : وقد روى في قوله تعالى : ( والمحصنات من النساء إلا ما ملكت
أيمانكم ) تأويل آخر : روى زمعة عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال : " ذوات
الأزواج " ورجع ذلك إلى قوله : حرم الله الزنا . وروى معمر عن ابن طاوس عن أبيه في
قوله تعالى : ( والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم ) قال : " فزوجتك مما ملكت
يمينك " ، يقول : حرم الله الزنا ، لا يحل لك أن تطأ امرأة إلا ما ملكت يمينك .
وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد : ( والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم ) قال :
" نهى عن الزنا " . وعن عطاء بن السائب قال : " كل محصنة عليك حرام إلا امرأة تملكها
بنكاح " . قال أبو بكر : وكأن تأويلها عند هؤلاء أن ذوات الأزواج حرام إلا على
أزواجهن ، وليس يمتنع أن يكون ذلك من مراد الله تعالى بالآية لاحتمال اللفظ له ، وذلك
لا يمنع إرادة المعاني التي تأولها الصحابة عليها من إباحة وطء السبايا اللاتي لهن أزواج
حربيون فيكون محمولا على الأمرين ، والأظهر أن ملك اليمين هي الأمة دون الزوجات ،
لأن الله قد فرق بينهما ، فقال الله تعالى : ( والذين هم لفروجهم حافظون إلا على
أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ) [ المؤمنون : 5 و 6 ] فجعل ملك اليمين غير الزوجات ،
والإطلاق إنما يتناول الإماء المملوكات دون الزوجات ، وهي كذلك في الحقيقة ، لأن
الزوج لا يملك من زوجته شيئا وإنما له منها استباحة الوطء ومنافع بضعها في ملكها
دونه ، ألا ترى أنها لو وطئت بشبهة وهي تحت زوج كان المهر لها دونه ؟ فدل ذلك على
أنه لا يملك من زوجته شيئا ، فوجب أن يحمل قوله تعالى : ( إلا ما ملكت أيمانكم )
على من يملكها في الحقيقة وهي المسبية .
قوله تعالى : ( كتاب الله عليكم ) روي عن عبيدة قال : " أربع " . وإنما نصب
" كتاب الله " لأنهم يقولون : إن معنى " كتاب الله عليكم " أي كتب الله عليكم ذلك ، وقيل :
معناه حرم ذلك كتابا من الله عليكم ، وهذا تأكيد لوجوبه وإخبار منه لنا بفرضه ، لأن
الكتاب هو الفرض .
قوله تعالى : ( وأحل لكم ما وراء ذلكم ) . روى عن عبيدة السلماني والسدي :
" أحل ما دون الخمس أن تبتغوا بأموالكم على وجه النكاح " . وقال عطاء : " أحل لكم
ما وراء ذوات المحارم من أقاربكم " . وقال قتادة : ( ما وراء ذلكم ) : " ما ملكت
أحكام القرآن — صفحة 175
مساهمون: الجصاص
ص١٧٥