" ميراثه لبيت المال " . وقال قتادة وسعيد بن أبي عروبة : " إن كان له ورثة على دينه الذي
ارتد إليه فميراثه لهم دون ورثته من المسلمين " ، ورواه قتادة عن عمر بن عبد العزيز ،
والصحيح عن عمر أن ميراثه لورثته من المسلمين . ثم اختلفوا فيما اكتسبه في حال الردة
إذا قتل أو مات مرتدا ، فقال أبو حنيفة والثوري : " ما اكتسبه بعد الردة فهو فئ " . وقال
ابن شبرمة وأبو يوسف ومحمد والأوزاعي في إحدى الروايتين : " ما اكتسبه بعد الردة
أيضا فهو لورثته المسلمين " .
قال أبو بكر : ظاهر قوله تعالى : ( يوصيكم الله في أولادكم ) يقتضي توريث
المسلم من المرتد ، إذ لم يفرق بين الميت المسلم وبين المرتد . فإن قيل : يخصه حديث
أسامة بن زيد : " لا يرث المسلم الكافر " كما خص توريث الكافر من المسلم ، وهو وإن
كان من أخبار الآحاد فقد تلقاه الناس بالقبول واستعملوه في منع توريث الكافر من
المسلم ، فصار في حيز المتواتر ، ولأن آية المواريث خاصة بالاتفاق ، وأخبار الآحاد
مقبولة في تخصيص مثلها . قيل له : في بعض ألفاظ حديث أسامة : " لا يتوارث أهل
ملتين لا يرث المسلم الكافر " ، فأخبر أن المراد اسقاط التوارث بين أهل ملتين ، وليست
الردة بملة قائمة ، لأنه وإن ارتد إلى النصرانية أو اليهودية فغير مقر عليها ، فليس هو
محكوما له بحكم أهل الملة التي انتقل إليها ، ألا ترى أنه وإن انتقل إلى ملة الكتابي أنه لا
تؤكل ذبيحته وإن كانت امرأة لم يجز نكاحها ؟ فثبت بذلك أن الردة ليست بملة ، وحديث
أسامة مقصور في منع التوارث بين أهل ملتين ، وقد بين ذلك في حديث مفسر ، وهو ما
رواه هشيم عن الزهري قال : حدثنا علي بن الحسين عن عمرو بن عثمان عن أسامة بن
زيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يتوارث أهل ملتين شتى ، لا يرث المسلم الكافر ولا
الكافر المسلم " ، فدل ذلك على أن مراد النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك هو منع التوارث بين أهل
ملتين . وأيضا فإن أبا حنيفة من أصله أن ملك المرتد يزول بالردة ، فإذا قتل أو مات انتقل
إلى التوارث ، ومن أجل ذلك لا يجيز تصرف المرتد في ماله الذي اكتسبه في حال
الاسلام ، وإذا كان هذا أصله فهو لم يورث مسلما من كافر لأن ملكه زال عنه في آخر
الاسلام ، وإنما ورث مسلما ممن كان مسلما .
فإن قيل : فإذا يكون قد ورثته منه وهو حي . قيل له : ليس يمتنع توريث الحي ،
قال الله تعالى : ( وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم ) [ الأحزاب : 27 ] وكانوا أحياء ،
وعلى أنا إنما نقلنا المال إلى الورثة بعد الموت ، فليس فيه توريث الحي . ويقال للسائل
عن ذلك : وأنت إذا جعلت ماله لبيت المال فقد ورثت منه جماعة المسلمين وهو كافر
وورثتهم منه وهو حي إذا لحق بدار الحرب مرتدا . وأيضا فإن المسلمين إذا كانوا إنما
أحكام القرآن — صفحة 129
مساهمون: الجصاص
ص١٢٩