بالأخوين ، فقالوا له : يا أبا سعيد إن الله تعالى : ( فإن كان له إخوة ) وأنت تحجبها
بالأخوين ! فقال : إن العرب تسمي الأخوين إخوة . فإذا كان زيد بن ثابت قد حكى عن
العرب أنها تسمي الأخوين إخوة ، فقد ثبت أن ذلك اسم لهما فيتناولهما اللفظ . وأيضا قد
ثبت أن حكم الأختين حكم الثلاث في استحقاق الثلثين بنص التنزيل في قوله تعالى :
( وإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك ) ، وكذلك حكم الأختين من الأم حكم الثلاث
في استحقاق الثلث دون حكم الواحدة ، فوجب أن يكون حكمهما حكم الثلاث في
حجب الأم عن الثلث إلى السدس ، إذ كان حكم كل واحد من ذلك حكما متعلقا
بالجمع ، فاستوى فيه حكم الاثنين والثلاث . وروي عن قتادة أنه قال : " إنما يحجب
الإخوة الأم من غير أن يرثوا مع الأب لأنه يقوم بنكاحهم والنفقة عليهم دون الأم " . وهذه
العلة إنما هي مقصورة على الإخوة من الأب والأم والإخوة من الأب ، فأما الإخوة من
الأم فليس إلى الأب شئ من أمرهم وهم يحجبون أيضا كما يحجب الإخوة من الأب
والأم ، ولا خلاف بين الصحابة في ثلاثة إخوة وأبوين أن للأم السدس وما بقي فللأب ،
إلا شيئا يروى عن ابن عباس . وروى عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن
ابن عباس : " أن للأم السدس وللإخوة السدس الذي حجبوا الأم عنه وما بقي فللأب ،
وكان لا يحجب بمن لا يرث ، فلما حجب الأم بالإخوة ورثهم " . وهو قول شاذ وظاهر
القرآن خلافه ، لأنه تعالى قال : ( وورثه أبواه فلأمه الثلث ) ثم قال تعالى : ( فإن كان له
إخوة ، فلأمه السدس ) عطفا على قوله تعالى : ( وورثه أبواه ) ، تقديره : وورثه أبواه وله
إخوة ، وذلك يمنع أن يكون للإخوة شئ .
قوله تعالى : ( من بعد وصية يوصى بها أو دين ) . الدين مؤخر في اللفظ وهو مبتدأ
به في المعنى على الوصية ، لأن " أو " لا توجب الترتيب وإنما هي لأحد شيئين ، فكأنه
قيل : من بعد أحد هذين . وقد روي عن علي كرم الله وجهه أنه قال : " ذكر الله الوصية قبل
الدين وهي بعده " يعني أنها مقدمة في اللفظ مؤخرة في المعنى .
قوله تعالى : ( ولكم نصف ما ترك أزواجكم ) الآية . هذا نص متفق على تأويله
كاتفاقهم تنزيله ، وأن الولد الذكر والأنثى في ذلك سواء يحجب الزوج عن النصف
إلى الربع والزوجة من الربع إلى الثمن إذا كان الولد من أهل الميراث . ولم يختلفوا أيضا
أن ولد الابن بمنزلة ولد الصلب في حجب الزوج والمرأة عن النصيب الأكثر إلى الأقل
إذا لم يكن ولد الصلب .
قوله تعالى : ( آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله ) .
قيل إن معناه : لا تعلمون أيهم أقرب لكم نفعا في الدين والدنيا والله يعلمه فاقسموه على
أحكام القرآن — صفحة 104
مساهمون: الجصاص
ص١٠٤