نصيب البنتين والمرأة إليهن ، وهذا يدل على أن العم لم يأخذ الميراث بديا من جهة
التوقيف بل على عادة أهل الجاهلية في المواريث ، لأنه لو كان كذلك لكان إنما يستأنف
فيما يحدث بعد نزول الآية وما قد مضى على حكم منصوص متقدم لا يعترض عليه
بالنسخ ، فدل على أنه أخذه على حكم الجاهلية التي لم ينقلوا عنها . وروى سفيان بن
عيينة عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال : مرضت فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم
يعودني فأتاني وقد أغمي على ، فتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم رش علي من وضوئه فأفقت
فقلت : يا رسول الله كيف تقضي في مالي ؟ فلم يجبني بشئ حتى نزلت آية المواريث :
( يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ) .
قال أبو بكر : ذكر في الحديث الأول قصة المرأة مع بنتيها وذكر في هذا الحديث
أن جابرا سأله عن ذلك ، وجائز أن يكون الأمران جميعا قد كانا ، سألته المرأة فلم يجبها
منتظرا للوحي ثم سأله جابر في حال مرضه فنزلت الآية وهي ثابتة الحكم مثبتة للنصيب
المفروض في قوله تعالى : ( للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ) الآية .
ولم يختلف أهل العلم في أن المراد بقوله تعالى : ( يوصيكم الله في أولادكم )
أولاد الصلب ، وأن ولد الولد غير داخل مع ولد الصلب ، وأنه إذا لم يكن ولد الصلب
فالمراد أولاد البنين دون أولاد البنات ، فقد انتظم اللفظ أولاد الصلب وأولاد الابن إذا لم
يكن ولد الصلب ، وهذا يدل على صحة قول أصحابنا فيمن أوصى لولد فلان أنه لولده
لصلبه ، فإن لم يكن له ولد لصلبه فهو لولد ابنه .
وقوله تعالى : ( للذكر مثل حظ الأنثيين ) قد أفاد أنه إن كان ذكرا وأنثى فللذكر
سهمان وللأنثى سهم ، وأفاد أيضا أنهم إذا كانوا جماعة ذكورا وإناثا أن لكل ذكر سهمين
ولكل أنثى سهما ، وأفاد أيضا أنه إذا كان مع الأولاد ذوو سهام نحو الأبوين والزوج
والزوجة أنهم متى أخذوا سهامهم كان الباقي بعد السهام بين الأولاد للذكر مثل حظ
الأنثيين ، وذلك لأن قوله تعالى : ( للذكر مثل حظ الأنثيين ) اسم للجنس يشتمل على
القليل والكثير منهم ، فمتى ما أخذ ذوو السهام سهامهم كان الباقي بينهم على ما كانوا
يستحقونه لو لم يكن ذو سهم .
وقوله عز وجل : ( فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها
النصف ) ، فنص على نصيب ما فوق الابنتين وعلى الواحدة ولم ينص على فرض
الابنتين ، لأن في فحوى الآية دلالة على بيان فرضهما ، وذلك لأنه قد أوجب للبنت
الواحدة مع الابن الثلث ، وإذا كان لها مع الذكر الثلث كانت بأخذ الثلث مع الأنثى أولى ،
وقد احتجنا إلى بيان حكم ما فوقهما ، فلذلك نص على حكمه . وأيضا لما قال الله
أحكام القرآن — صفحة 101
مساهمون: الجصاص
ص١٠١