ما بينه ، إذ هو عالم بالمصالح . وقيل إن معناه : آباؤكم وأبناؤكم متقاربون في النفع حتى
لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا ، إذ كنتم تنتفعون بآبائكم في حال الصغر وتنتفعون بأبنائكم
عند الكبر ، ففرض ذلك في أموالكم للآباء والأبناء علما منه بمصالح الجميع . وقيل : لا
يدري أحدكم أهو أقرب وفاة فينتفع ولده بماله ، أم الولد أقرب وفاة فينتفع الأب والأم
بماله ، ففرض في مواريثكم ما فرض علما منه وحكما .
وقد اختلف السلف في الحجب بمن لا يرث ، وهو أن يخلف الحر المسلم أبوين
حرين مسلمين وأخوين كافرين أو مملوكين أو قاتلين ، فقال علي وعمر وزيد : " للأم
الثلث وما بقي فللأب ، وكذلك المسلمة إذا تركت زواجا وابنا كافرا أو مملوكا أو قاتلا ،
أو الرجل ترك امرأة وابنا كذلك أنهم لا يحجبون الزوج ولا المرأة عن نصيبهما الأكثر إلى
الأقل " ، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ومالك والثوري والشافعي . وقال
عبد الله بن مسعود : " يحجبون وإن لم يرثوا " . وقال الأوزاعي والحسن بن صالح :
" المملوك والكافر لا يرثان ولا يحجبان والقاتل لا يرث ويحجب " .
قال أبو بكر : لا خلاف أن الأب الكافر لا يحجب ابنه من ميراث جده وأنه بمنزلة
الميت ، فكذلك في حكم حجب الأم والزوج والزوجة . واحتج من حجب بظاهر قوله
تعالى : ( ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد ) . ولم يفرق بين
الكافر والمسلم . فيقال له : فلم حجبت به الأم دون الأب والله تعالى إنما حجبهما جميعا
بالولد بقوله تعالى : ( لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد ) ؟ فإن جاز أن لا
يحجب الأب وجعلت قوله تعالى : ( إن كان له ولد ) على ولد يجوز الميراث ، فكذلك
حكمه في الأم .
قوله تعالى : ( ولهن الربع مما تركتم ) إلى قوله تعالى : ( فلهن الثمن مما
تركتم ) . قد دل على أنهن إذا كن أربعا يشتركن في الثمن . وهذا لا خلاف فيه بين أهل
العلم .
وقد اختلف السلف في ميراث الأبوين مع الزوج والزوجة ، فقال على وعمر
وعبد الله بن مسعود وعثمان وزيد : " للزوجة الربع وللأم ثلث ما بقي وما بقي فللأب ،
وللزوج النصف وللأم ثلث ما بقي وما بقي فللأب " . وقال ابن عباس : " للزوج والزوجة
ميراثهما وللأم الثلث كاملا وما بقي فللأب " وقال : " لا أجد في كتاب الله تعالى ثلث ما
بقي " . وعن ابن سيرين مثل قول ابن عباس ، وروي أنه تابعه في المرأة والأبوين وخالفه
في الزوج والأبوين ، لتفضيله الأم على الأب . والصحابة ومن بعدهم من التابعين وفقهاء
الأمصار على القول الأول ، إلا ما حكينا عن ابن عباس وابن سيرين ، وظاهر القرآن يدل
أحكام القرآن — صفحة 105
مساهمون: الجصاص
ص١٠٥