الأرحام ، فقوله تعالى : ( للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما
ترك الوالدان والأقربون ) ، وقوله تعالى : ( وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء
اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن والمستضعفين من الولدان )
[ النساء : 127 ] ، نسخ بهما في رواية عن ابن عباس وغيره من السلف ما كان عليه الأمر
في توريث الرجال المقاتلة دون الذكور الصغار والإناث .
وقوله تعالى : ( يوصيكم الله في أولادكم ) فيه بيان للنصيب المفروض في قوله
تعالى : ( للرجال نصيب ) إلى قوله تعالى : ( نصيبا مفروضا ) ، والنصيب المفروض هو
الذي بين مقداره في قوله تعالى : ( يوصيكم الله في أولادكم ) . وقد روي عن ابن عباس
أنه قرأ : ( كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين )
[ البقرة : 180 ] فقال : ( قد نسخ هذا قوله تعالى : ( للرجال نصيب مما ترك الوالدان
والأقربون ) " . وقال مجاهد : " كان الميراث للولد وكانت الوصية للوالدين والأقربين ،
فنسخ الله تعالى من ذلك ما أحب ، فجعل للولد الذكر مثل حظ الأنثيين ، وجعل لكل
واحد من الأبوين السدس مع الولد " . قال ابن عباس : وقد كان الرجل إذا مات وخلف
زوجته اعتدت سنة كاملة في بيته ينفق عليها من تركته ، وهو قوله تعالى : ( والذين
يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير اخراج ) [ البقرة :
240 ] ، ثم نسخ ذلك بالربع أو الثمن . وقوله تعالى : ( وأولوا الأرحام بعضهم أولى
ببعض ) [ الأنفال : 75 ] نسخ به التوارث بالحلف وبالهجرة وبالتبني على النحو الذي
بينا ، وكذلك قوله تعالى : ( يوصيكم الله في أولادكم ) هي آية محكمة غير منسوخة ،
وهي موجبة لنسخ الميراث بهذه الأسباب التي ذكرنا ، لأنه جعل الميراث للمسلمين فيها ،
فلا يبقى لأهل هذه الأسباب شئ ، وذلك موجب لسقوط حقوقهم في هذه الحال .
وروى محمد بن عبد الله بن عقيل عن جابر بن عبد الله قال : جاءت امرأة من الأنصار
ببنتين لها فقالت : يا رسول الله هاتان بنتا ثابت بن قيس قتل معك يوم أحد ولم يدع لهما
عمهما مالا إلا أخذه ، فما ترى يا رسول الله ؟ فوالله لا تنكحان أبدا إلا ولهما مال ! فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يقضي الله في ذلك " ، فنزلت سورة النساء : ( يوصيكم الله في أولادكم
للذكر مثل حظ الأنثيين ) الآية ، فقال صلى الله عليه وسلم : " ادع إلى المرأة وصاحبها " ! فقال لعمهما :
" أعطهما الثلثين وأعط أمهما الثمن وما بقي فلك " . قال أبو بكر : قد حوى هذا الخبر
معاني : منها أن العم قد كان يستحق الميراث دون البنتين على عادة أهل الجاهلية في
توريث المقاتلة دون النساء والصبيان ، ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك حين سألته المرأة بل أقر
الأمر على ما كان عليه وقال لها : " يقضي الله في ذلك " ، ثم لما نزلت الآية أمر العم بدفع
أحكام القرآن — صفحة 100
مساهمون: الجصاص
ص١٠٠