وروى هشام عن عروة عن أبيه عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( إن أهل الجاهلية اقتصروا في بناء الكعبة ، فأدخلي الحجر وصلي عنده ) ولذلك
طاف النبي عليه السلام وأصحابه حول الحجر ليحصل اليقين بالطواف بجميع البيت ،
ولذلك أدخله ابن الزبير في البيت لما بناه حين احترق ثم لما جاء الحجاج أخرجه منه .
قوله تعالى : ( ربنا تقبل منا ) معناه : يقولان ربنا تقبل فحذف لدلالة الكلام عليه ،
كقوله تعالى : ( والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم ) يعني : ( يقولون أخرجوا
أنفسكم ) . والتقبل هو إيجاب الثواب على العمل . وقد تضمن ذلك كون بناء المساجد
قربة ، لأنهما بنياه لله تعالى فأخبرا باستحقاق الثواب به ، وهو كقوله صلى الله عليه وسلم : ( من بنى مسجدا
ولو مثل مفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة ) .
قوله تعالى : ( وأرنا مناسكنا ) ، يقال إن أصل النسك في اللغة الغسل ، يقال منه :
نسك ثوبه إذا غسله ، وقد أنشد فيه بيت شعر :
ولا ينبت المرعى سباخ عراعر * ولو نسكت بالماء ستة أشهر
وفي الشرع : اسم للعبادة ، يقال : رجل ناسك ، أي عابد . وقال البراء بن عازب :
خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأضحى فقال ( إن أول نسكنا في هذا اليوم الصلاة ثم الذبح ) فسمى
الصلاة نسكا . والذبيحة على وجه القربة تسمى نسكا ، وإن قال الله تعالى : ( ففدية من صيام
أو صدقة أو نسك ) [ البقرة : 196 ] يعني ذبح شاة . ومناسك الحج ما يقتضيه من الذبح
وسائر أفعاله ، قال النبي صلى الله عليه وسلم حين دخل مكة : ( خذوا عني مناسككم ) والأظهر من معنى
قوله : ( وأرنا مناسكنا ) سائر أعمال الحج ، لأن الله تعالى أمرهما ببناء البيت للحج . وقد
روى ابن أبي ليلى عن ابن أبي مليكة عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أتى
جبريل إبراهيم عليهما السلام فراح به إلى مكة ثم منى ) وذكر أفعال الحج على نحو ما
فعله النبي صلى الله عليه وسلم في حجته ، قال : ثم أوحى الله إلى نبيه صلى الله عليه وسلم ( أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا )
[ النحل 123 ] . وكذلك أرسل النبي عليه السلام إلى قوم بعرفات وقوف خلفه وهو
واقف بها فقال : ( كونوا على مشاعركم فإنكم على إرث من إرث إبراهيم عليه السلام ) .
قوله تعالى : ( ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ) يدل على لزوم اتباع
إبراهيم في شرائعه فيما لم يثبت نسخه ، وأفاد بذلك أن من رغب عن ملة محمد صلى الله عليه وسلم فهو
راغب عن ملة إبراهيم ، إذ كانت ملة النبي عليه السلام منتظمة لملة إبراهيم وزائدة عليها .
باب ميراث الجد
قال الله تعالى : ( ألم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من
أحكام القرآن — صفحة 98
مساهمون: الجصاص
ص٩٨