إذ ليس في الأصول اختلاف حكم جوانبه في المشي ولا الرمل في سائر أحكام الطواف .
وقد اختلف السلف في بقاء سنة الرمل ، فقال قائلون : إنما كان ذلك سنة حين فعله
النبي صلى الله عليه وسلم مرائيا به للمشركين إظهارا للتجلد والقوة في عمرة القضاء ، لأنهم قالوا : قد
أوهنتهم حمى يثرب ، فأمرهم بإظهار الجلد لئلا يطمع فيهم . وقال زيد بن أسلم عن أبيه
قال : سمعت عمر ابن الخطاب يقول : ( فيم الرملان الآن والكشف عن المناكب وقد أظهر
الله الاسلام ونفى الكفر وأهله ؟ ومع ذلك لا ندع شيئا كنا نفعله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ) . وقال
أبو الطفيل : قلت لابن عباس : إن قومك يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمل بالبيت وأنه سنة ،
قال : ( صدقوا وكذبوا ، قد رمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس بسنة ) .
قال أبو بكر : ومذهب أصحابنا أنه سنة ثابتة لا ينبغي تركها ، وإن كان النبي عليه
السلام أمر به بديا لإظهار الجلد والقوة مراءاة للمشركين ، لأنه قد روي ( أن النبي صلى الله عليه وسلم
رمل في حجة الوداع ولم يكن هناك مشركون ) ، وقد فعله أبو بكر وعمر وابن مسعود
وابن عمر وغيرهم ، فثبت بقاء حكمه . وليس تعلقه بديا بالسبب المذكور مما يوجب
زوال حكمه حيث زال السبب ، ألا ترى أنه قد روي أن سبب رمي الجمار أن إبليس لعنه
الله عرض لإبراهيم عليه السلام بموضع الجمار فرماه ثم صار الرمي سنة باقية مع عدم
ذلك السبب ؟ وروي أن سبب السعي بين الصفا والمروة أن أم إسماعيل عليه السلام
صعدت الصفا تطلب الماء ثم نزلت فأسرعت المشي في بطن الوادي لغيبة الصبي عن
عينها ، ثم لما صعدت من الوادي رأت الصبي فمشت على هينتها وصعدت المروة تطلب
الماء ، فعلت ذلك سبع مرات ، فصار السعي بينهما سنة . وإسراع المشي في الوادي سنة
مع زوال السبب الذي فعل من أجله ، فكذلك الرمل في الطواف .
وقال أصحابنا : يستلم الركن الأسود واليماني دون غيرهما . وقد روي ذلك عن ابن
عمر عن النبي عليه السلام . وروي أيضا عن ابن عباس عنه . وقال ابن عمر حين أخبر
بقول عائشة إن الحجر بعضه من البيت : ( إني لا أظن النبي صلى الله عليه وسلم لم يترك استلامهما إلا أنهما
ليسا على قواعد البيت ولا طاف الناس من وراء الحجر إلا لذلك ) . وقال يعلى بن أمية :
طفت مع عمر بن الخطاب ، فلما كنت عند الركن الذي يلي الحجر أخذت أستلمه فقال :
ما طفت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قلت : بلى ! قال فرأيته يستلمه ؟ قلت : لا ! قال : ( لقد كان
لكم في رسول الله أسوة حسنة ) [ الأحزاب : 21 ] .
أحكام القرآن — صفحة 95
مساهمون: الجصاص
ص٩٥