بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحق إلها واحدا ) فسمى الجد
والعم كل واحد منهما أبا . وقال تعالى حاكيا عن يوسف عليه السلام : ( واتبعت ملة
آبائي إبراهيم وإسحق ويعقوب ) [ يوسف : 38 ] ، وقد احتج ابن عباس بذلك في توريث
الجد دون الإخوة . وروى الحجاج عن عطاء عن ابن عباس قال : ( من شاء لاعنته عند
الحجر الأسود أن الجد أب ! والله ما ذكر الله جدا ولا جدة إلا أنهم الآباء ( واتبعت ملة
آبائي إبراهيم وإسحق ويعقوب ) .
واحتجاج ابن عباس في توريث الجد دون الأخوة وإنزاله منزلة الأب في الميراث
عند فقده يقتضي جواز الاحتجاج بظاهر قوله تعالى : ( وورثه أبواه فلأمه الثلث )
[ النساء : 11 ] في استحقاقه الثلثين دون الأخوة كما يستحق الأب دونهم إذا كان باقيا :
ودل ذلك على أن إطلاق اسم الأب يتناول الجد ، فاقتضى ذلك أن لا يختلف حكمه
وحكم الأب في الميراث إذا لم يكن أب ، وهو مذهب أبي بكر الصديق في آخرين من
الصحابة ، قال عثمان : قضى أبو بكر أن الجد أب وأطلق اسم الأبوة عليه . وهو قول أبي
حنيفة . وقال أبو يوسف ومحمد ومالك والشافعي بقول زيد بن ثابت في الجد أنه بمنزلة
الإخوة ما لم تنقصه المقاسمة من الثلث فيعطى الثلث ولم ينقص منه شيئا . وقال ابن أبي
ليلى بقول علي بن أبي طالب عليه السلام في الجد أنه بمنزلة أحد الأخوة ما لم تنقصه
المقاسمة من السدس فيعطى السدس ولم ينقص منه شيئا .
وقد ذكرنا اختلاف الصحابة فيه في شرح مختصر الطحاوي والحجاج للفرق
المختلفين فيه . إلا أن الحجاج بالآية فيه من وجهين ، أحدهما ظاهر تسمية الله تعالى إياه
أبا . والثاني : احتجاج ابن عباس بذلك وإطلاقه أن الجد أب وكذلك أبو بكر الصديق ،
لأنهما من أهل اللسان لا يخفى عليهما حكم الأسماء من طريق اللغة ، وإن كانا أطلقاه
من جهة الشرع فحجته ثابتة ، إذ كانت أسماء الشرع طريقها التوقيف . ومن يدفع
الاحتجاج بهذا الظاهر يقول : إن الله تعالى قد سمى العم أبا في الآية لذكره إسماعيل فيها
وهو عمه ولا يقوم مقام الأب ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ردوا على أبي ) يعني العباس وهو
عمه .
قال أبو بكر : ويعترض عليه من جهة أن الجد إنما سمي أبا على وجه المجاز
لجواز انتفاء اسم الأب عنه ، لأنك لو قلت للجد إنه ليس بأب لكان ذلك نفيا صحيحا ،
وأسماء الحقائق لا تنتفي عن مسمياتها بحال . ومن جهة أخرى إن الجد إنما سمي أبا
بتقييد ، والإطلاق لا يتناوله ، فلا يصح الاحتجاج فيه بعموم لفظ الأبوين في الآية . ومن
جهة أخرى أن الأب الأدنى في قوله تعالى ( وورثه أبواه ) [ النساء : 11 ] مراد بالآية فلا
أحكام القرآن — صفحة 99
مساهمون: الجصاص
ص٩٩