( الطائفين ) من جاء من الحجاج ، ( والعاكفين ) أهل مكة وهم القائمين ، وروى
عبد الملك عن عطاء قال : ( العاكفون من انتابه من أهل الأمصار والمجاورين ) . وروى
أبو بكر الهذلي قال : ( إذا كان طائفا فهو من الطائفين ، وإذا كان جالسا فهو من العاكفين ،
وإذا كان مصليا فهو من الركع السجود ) . وروى ابن فضيل عن ابن عطاء ، عن سعيد ، عن ابن
عباس في قوله : ( طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود ) قال : ( الطواف قبل
الصلاة ) .
قال أبو بكر : قول الضحاك ( من جاء من الحجاج فهو من الطائفين ) راجع أيضا إلى
معنى الطواف بالبيت ، لأن من يقصد البيت فإنما يقصده للطواف به ، إلا أنه قد خص به
الغرباء ، وليس في الآية دلالة التخصيص لأن أهل مكة والغرباء في فعل الطواف سواء .
فإن قيل : فإنما تأوله الضحاك على الطائف الذي هو طارئ كقوله تعالى : ( فطاف
عليها طائف من ربك ) [ القلم : 19 ] وقوله : ( إذا مسهم طائف من الشيطان )
[ الأعراف : 201 ] قيل له : إنه وإن أراد ذلك فالطواف مراد لا محالة ، لأن الطارئ إنما
يقصده للطواف فجعله هو خاصا في بعضهم دون بعض ، وهذا لا دلالة له فيه ، فالواجب
إذا حمله على فعل الطواف ، فيكون قوله : ( والعاكفين ) من يعتكف فيه ، وهذا يحتمل
وجهين ، أحدهما : الإعتكاف المذكور في قوله : ( وأنتم عاكفون في المساجد ) [ البقرة :
187 فخص البيت في هذا الموضع . والوجه الآخر : المقيمون بمكة اللائذون به ، إذا
كان الإعتكاف هو اللبث . وقيل في العاكفين : المجاورون . وقيل : أهل مكة ، وذلك كله
يرجع إلى معنى اللبث والإقامة في الموضع .
قال أبو بكر : هو على قول من تأول قوله الطائفين على الغرباء يدل على أن
الطواف للغرباء أفضل من الصلاة ، وذلك لأن قوله ذلك قد أفاد لا محالة الطواف للغرباء
إذا كانوا إنما يقصدونه للطواف ، وأفاد جواز الاعتكاف فيه بقوله : ( والعاكفين ) وأفاد فعل
الصلاة فيه أيضا وبحضرته ، فخص الغرباء بالطواف ، فدل على أن فعل الطواف للغرباء
أفضل من فعل الصلاة والاعتكاف الذي هو لبث من غير طواف . وقد روي عن ابن عباس
ومجاهد وعطاء : أن الطواف لأهل الأمصار أفضل والصلاة لأهل مكة أفضل ، فتضمنت
الآية معاني ، منها : فعل الطواف في البيت وهو قربة إلى الله تعالى يستحق فاعله الثواب ،
وأنه للغرباء أفضل من الصلاة وفعل الإعتكاف في البيت وبحضرته بقوله ( والعاكفين )
وقد دل أيضا على جواز الصلاة في البيت فرضا كانت أو نفلا ، إذ لم تفرق الآية بين شئ
منها ، وهو خلاف قول مالك في امتناعه من جواز فعل الصلاة المفروضة في البيت ، وقد
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ( أنه صلى في البيت يوم فتح مكة ) فتلك الصلاة لا محالة كانت
أحكام القرآن — صفحة 92
مساهمون: الجصاص
ص٩٢