في مقدار الدين فالقول قول الراهن في الدين مع يمينه ) وهو قول الحسن بن صالح
والشافعي وإبراهيم النخعي وعثمان البتي . وقال طاوس : ( يصدق المرتهن إلى ثمن الرهن
ويستحلف ) وكذلك قول الحسن وقتادة والحكم . وقال أياس بن معاوية قولا بين هذين
القولين ، قال : ( إن كان للراهن بينة بدفعه الرهن فالقول قول الراهن ، وإن لم تكن له بينة
فالقول قول المرتهن ، لأنه لو شاء جحده الرهن ، ومتى أقر بشئ وليست عليه بينة
فالقول قوله ) . وقال ابن وهب عن مالك : إذا اختلفا في الدين والرهن قائم فإن كان
الرهن قدر حق المرتهن أخذه المرتهن وكان أولى به ويحلفه ، إلا أن يشاء رب الرهن أن
يعطيه حقه عليه ويأخذ رهنه ) . وقال ابن القاسم عن مالك : ( القول قول المرتهن فيما بينه
وبين قيمة الرهن لا يصدق على أكثر من ذلك .
قال أبو بكر : قال الله تعالى : ( وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه
شيئا ) فيه الدلالة على أن القول قول الذي عليه الدين ، لأنه وعظه في البخس وهو
النقصان ، فيدل على أن القول قوله . وأيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( البينة على المدعي واليمين
على المدعى عليه ) والمرتهن هو المدعي والراهن هو المدعى عليه ، فالقول قوله بقضية
قوله صلى الله عليه وسلم . وأيضا لو لم يكن رهن لكان القول قول الذي عليه الدين في مقداره بالاتفاق ،
كذلك إذا كان به رهن لأن الرهن لا يخرجه من أن يكون مدعى عليه .
قال أبو بكر : وزعم بعض من يحتج لمالك أن قوله أشبه بظاهر القرآن ، لأنه قال :
( فرهان مقبوضة ) فأقام الرهن مقام الشهادة ، ولم يأتمن الذي عليه الحق حين أخذ منه
وثيقة كما لم يأتمنه على مبلغه إذا أشهد عليه الشهود ، لأن الشهود والكتاب تنبئ عن
مبلغ الحق ، فلم يصدق الراهن وقام الرهن مقام الشهود إلى أن يبلغ قيمته ، فإذا جاوز
قيمته فلا وثيقة فيه والمرتهن مدع فيه والراهن مدعى عليه .
قال أبو بكر : وهذا من عجيب الحجاج ، وذلك أنه زعم أنه لما لم يأتمنه حتى أخذ
الرهن قام الرهن مقام الشهادة ، وزعم مع ذلك أن ذلك موافق لظاهر القرآن ، وقد جعل
الله تعالى القول قول الذي عليه الحق حين قال : ( وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه
ولا يبخس منه شيئا ) فجعل القول قوله في الحال التي أمر فيها بالإشهاد والكتاب ، ولم
يجعل عدم ائتمان الطالب للمطلوب مانعا من أن يكون القول قول المطلوب ، فكيف
يكون ترك ائتمانه إياه بالتوثق منه بالرهن مانعا من قبول قول المطلوب وموجبا لتصديق
الطالب على ما يدعيه ! والذي ذكره مخالف لظاهر القرآن ، والعلة التي نصبها لتصديق
المرتهن في ترك ائتمانه منتقضة بنص الكتاب . ثم دعواه موافقته لظاهر القرآن أعجب
الأشياء ، وذلك لأن القرآن قد قضى ببطلان قوله حين جعل القول قول المطلوب في
أحكام القرآن — صفحة 647
مساهمون: الجصاص
ص٦٤٧