للراهن إن الله تعالى جعل من صفات الرهن القبض كما جعل من صفات الشهادة العدالة
بقوله : ( اثنان ذوا عدل منكم ) [ المائدة : 106 ] وقوله : ( ممن ترضون من الشهداء )
ومعلوم أن زوال هذه الصفة عن الشهادة يمنع جواز الشهادة ، فكذلك لما جعل من
صفات الرهن أن يكون مقبوضا بقوله : ( فرهان مقبوضة ) وجب إبطال الرهن لعدم هذه
الصفة وهو استحقاق القبض ، فلو كان الراهن مستحقا للقبض الذي به يصح الرهن لمنع
ذلك من صحته بديا لمقارنة ما يبطله ، ولو صح بديا لوجب أن يبطل باستحقاق قبضه
وجوب رده إلى يده . وأيضا لما اتفق الجميع على أن الراهن ممنوع من وطء الأمة
المرهونة ، والوطء من منافعها ، وجب أن يكون ذلك حكم سائر المنافع في بطلان حق
الراهن فيها . ومن جهة أخرى أن الراهن إنما لم يستحق الوطء لأن المرتهن يستحق ثبوت
يده عليها ، كذلك الاستخدام .
واختلف الفقهاء فيمن شرط ملك الرهن للمرتهن عند حلول الأجل ، فقال أبو
حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والحسن بن زياد : ( إذا رهنه رهنا وقال إن جئتك بالمال
إلى شهر وإلا فهو بيع ، فالرهن جائز والشرط باطل ) . وقال مالك : ( الرهن فاسد وينقض ، فإن لم ينقض حتى حل الأجل فإنه لا يكون للمرتهن بذلك الشرط وللمرتهن أن
يحبسه بحقه وهو أحق به من سائر الغرماء ، فإن تغير في يده لم يرد ولزمته القيمة في
ذلك يوم حل الأجل ، وهذا في السلع والحيوان وأما في الدور والأرضين فإنه يردها إلى
الراهن وإن تطاول إلا أن تنهدم الدار أو يبنى فيها أو يغرس في الأرض ، فهذا فوت ويغرم
القيمة مثل البيع الفاسد ) . وقال المعافى عن الثوري في الرجل يرهن صاحبه المتاع
ويقول : إن لم آتك فهو لك ، قال : ( لا يغلق ذلك الرهن ) . وقال الحسن بن صالح : ليس
قوله هذا بشئ . وقال الربيع عن الشافعي : ( لو رهنه وشرط له إن لم يأته بالحق إلى كذا
فالرهن له بيع ، فالرهن فاسد والرهن لصاحبه الذي رهنه ) .
قال أبو بكر : اتفقوا أنه لا يملكه بمضي الأجل ، واختلفوا في جواز الرهن وفساده ،
وقد بينا فيما سلف أن قوله : ( لا يغلق الرهن ) أنه لا يملك بالدين بمضي الأجل للشرط
الذي شرطاه ، فإنما نفي النبي صلى الله عليه وسلم غلقه بذلك ولم ينف صحة الرهن الذي شرطاه ، فدل
ذلك على جواز الرهن وبطلان الشرط . وهو أيضا قياس العمرى التي أبطل النبي صلى الله عليه وسلم فيها
الشرط وأجاز الهبة ، والمعنى الجامع بينهما أن كل واحد منهما لا يصح بالعقد دون
القبض .
واختلفوا أيضا في مقدار الدين إذا اختلف فيه الراهن والمرتهن ، فقال أبو حنيفة
وأبو يوسف ومحمد وزفر والحسن بن زياد : ( إذا هلك الرهن واختلف الراهن والمرتهن
أحكام القرآن — صفحة 646
مساهمون: الجصاص
ص٦٤٦