يستوفى لها سائر شروطها من البلوغ والعدالة ، ومن حيث أجازوا شهادة بعضهم على
بعض ، فواجب إجازتها على الرجال ، لأن شهادة بعضهم على بعض ليست بآكد منها على
الرجال ، إذ هم في حكم المسلمين عند قائل هذا القول ، والله الموفق .
واختلف في شهادة الأعمى ، فقال أبو حنيفة ومحمد : ( لا تجوز شهادة الأعمى
بحال ) وروي نحوه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه . وروى عمرو بن عبيد عن
الحسن قال : ( لا تجوز شهادة الأعمى بحال ) ، وروي عن أشعث مثله إلا أنه قال : ( إلا أن
تكون في شئ رآه قبل أن يذهب بصره ) . وروى ابن لهيعة عن أبي طعمة عن سعيد بن
جبير قال : ( لا تجوز شهادة الأعمى ) . وحدثنا عبد الرحمن بن سيما قال : حدثنا عبد الله بن
أحمد قال : حدثني أبي قال : حدثني حجاج بن جبير بن حازم عن قتادة قال : شهد أعمى
عند إياس بن معاوية على شهادة ، فقال له إياس : لا نرد شهادتك إلا أن لا تكون عدلا ،
ولكنك أعمى لا تبصر ! قال : فلم يقبلها . وقال أبو يوسف وابن أبي ليلى والشافعي : ( إذا
علمه قبل العمى جازت ، وما علمه في حال العمى لم تجز ) . وقال شريح والشعبي :
( شهادة الأعمى جائزة ) . وقال مالك والليث بن سعد : ( شهادة الأعمى جائزة ، وإن علمه
في حال العمى إذا عرف الصوت في الطلاق والإقرار ونحوه ، وإن شهد على زنا أو حد
القذف لم تقبل شهادته ) .
والدليل على بطلان شهادة الأعمى ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال : حدثنا
عبد الله بن محمد بن ميمون البلخي الحافظ قال : حدثنا يحيى بن موسى - يعرف
بخت - ( 1 ) قال : حدثنا محمد بن سليمان بن مسمول قال : حدثنا عبد الله بن سلمة بن
وهرام ، عن أبيه ، عن طاوس عن ابن عباس قال : سئل صلى الله عليه وسلم عن الشهادة فقال : ( ترى هذه
الشمس ؟ ( 2 ) فاشهد ! وإلا فدع ! ) فجعل من شرط صحة الشهادة معاينة الشاهد لما شهد
به ، والأعمى لا يعاين المشهود عليه ، فلا تجوز شهادته .
ومن جهة أخرى أن الأعمى يشهد بالاستدلال فلا تصح شهادته ، ألا ترى أن
الصوت قد يشبه الصوت وإن المتكلم قد يحاكي صوت غيره ونغمته حتى لا يغادر منها
شيئا ولا يشك سامعه إذا كان بينه وبينه حجاب أنه المحكي صوته ؟ فغير جائز قبول
شهادته على الصوت ، إذ لا يرجع منه إلى يقين وإنما يبنى أمره على غالب الظن . وأيضا
هامش
قوله : ( خت ) بفتح الخاء المعجمة وتشديد التاء المثناة ، علم على يحيى بن موسى أحد أشياخ
البخاري . ( لمصححه ) .
( 2 ) قوله : ( ترى هذه الشمس ) هكذا في جميع النسخ التي بأيدينا ، ومعناه : إن تر المشهود مثل الشمس
فاشهد . ( لمصححه )