المواريث : ( فريضة من الله ) [ النساء : 11 ] ينتظم الأمرين من معنى الإيجاب لمقادير
الأنصباء التي بينها لذوي الميراث ، وقوله تعالى : ( وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن
وقد فرضتم لهن فريضة ) المراد بالفرض ههنا تقدير المهر وتسميته في العقد ، ومنه
فرائض الإبل وهي المقادير الواجبة فيها على اعتبار أعدادها وأسنانها ، فسمى التقدير
فرضا تشبيها له بالحز الواقع في القداح التي تتميز به من غيرها ، وكذلك سبيل ما كان
مقدارا من الأشياء فقد حصل التمييز به بينه وبين غيره .
والدليل على أن المراد بقوله تعالى : ( وقد فرضتم لهن فريضة ) تسمية المقدار في
العقد ، أنه قدم ذكر المطلقة التي لم يسم لها بقوله تعالى : ( لا جناح عليكم إن طلقتم
النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ) ثم عقبه بذكر من فرض لها وطلقت بعد
الدخول ، فلما كان الأول على نفي التسمية كان الثاني على إثباتها ، فأوجب الله لها نصف
المفروض بنص التنزيل .
وقد اختلف فيمن سمي لها بعد العقد ثم طلقت قبل الدخول ، فقال أبو حنيفة :
( لها مهر مثلها ) وهو قول محمد ، وكان أبو يوسف يقول : ( لها نصف الفرض ) ثم رجع
إلى قولهما . وقال مالك والشافعي : ( لها نصف الفرض ) والدليل على أن لها مهر مثلها
أن موجب هذا العقد مهر المثل ، وقد اقتضى وجوب مهر المثل بالعقد وجوب المتعة
بالطلاق قبل الدخول ، فلما تراضيا على تسمية لم ينتف موجب العقد من المتعة ، والدليل
على ذلك أن هذا الفرض لم يكن مسمى في العقد كما لم يكن مهر المثل مسمى فيه وإن
كان واجبا به ، فلما كان ورود الطلاق قبل الدخول مسقطا لمهر المثل بعد وجوبه إذ لم
يكن مسمى في العقد ، وجب أن يكون كذلك حكم المفروض بعده إذ لم يكن مسمى
فيه .
فإن قيل : مهر المثل لم يوجبه العقد وإنما وجب بالدخول . قيل له : هذا غلط ،
لأنه غير جائز استباحة البضع بغير بدل ، والدليل على ذلك أنه لو شرط في العقد أنه لا مهر
لها لوجب لها المهر ، فلما كان المهر بدلا من استباحة البضع ولم يجز نفيه بالشرط وجب
أن يكون من حيث استباح البضع أن يلزمه المهر ، ويدل على ذلك أن الدخول بعد صحة
العقد ، إنما هو تصرف فيما قد ملكه وتصرف الانسان في ملكه لا يلزمه بدلا ، ألا ترى أن
تصرف المشتري في السلعة لا يوجب عليه بدلا بالتصرف ، فدل ذلك على استحقاقها
لمهر المثل بالعقد . ويدل على ذلك أيضا اتفاق الجميع على أن لها أن تمنع نفسها بمهر
المثل ، ولو لم تكن قد استحقته بالعقد كيف كان يجوز لها أن تمنع نفسها بما لم يجب
بعد ؟ ويدل على ذلك أيضا أن لها المطالبة به ، ولو خاصمته إلى القاضي لقضى به لها ،
أحكام القرآن — صفحة 527
مساهمون: الجصاص
ص٥٢٧