ذكر تقدير المتعة الواجبة
قال الله تعالى : ( ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف )
وإثبات المقدار على اعتبار حاله في الإعسار واليسار طريقه الاجتهاد وغالب الظن ،
ويختلف ذلك في الأزمان أيضا لأن الله تعالى شرط في مقدارها شيئين : أحدهما اعتبارها
بيسار الرجل وإعساره ، والثاني : أن يكون بالمعروف مع ذلك ، فوجب اعتبار المعنيين في
ذلك وإذا كان كذلك وكان المعروف منهما موقوفا على عادات الناس فيها والعادات قد
تختلف وتتغير ، وجب بذلك مراعاة العادات في الأزمان ، وذلك أصل في جواز الاجتهاد
في أحكام الحوادث ، إذ كان ذلك حكما مؤديا إلى اجتهاد رأينا . وقد ذكرنا أن شيخنا أبا
الحسن رحمه الله يقول : ( يجب مع ذلك اعتبار حال المرأة ) وذكر ذلك أيضا
علي بن موسى القمي في كتابه ، واحتج بأن الله تعالى علق الحكم في تقدير المتعة
بشيئين : حال الرجل بيساره وإعساره ، وأن يكون مع ذلك بالمعروف . قال : فلو اعتبرنا
حال الرجل وحده عاريا من اعتبار حال المرأة ، لوجب أن يكون لو تزوج امرأتين
أحدهما شريفة والأخرى دنية مولاة ثم طلقهما قبل الدخول ولم يسم لهما أن تكونا
متساويتين في المتعة ، فتجب لهذه الدنية كما تجب لهذه الشريفة ، وهذا منكر في عادات
الناس وأخلاقهم غير معروف . قال : ويفسد من وجه آخر قول من اعتبر حال الرجل
وحده دونها ، وهو أنه لو كان رجلا موسرا عظيم الشأن فتزوج امرأة دنية مهر مثلها دينار ،
أنه لو دخل بها وجب لها مهر مثلها ، إذ لم يسم لها شيئا دينار واحد ، ولو طلقها قبل
الدخول لزمته المتعة على قدر حاله ، وقد يكون ذلك أضعاف مهر مثلها ، فتستحق قبل
الدخول بعد الطلاق أكثر مما تستحقه بعد الدخول . وهذا خلف من القول ، لأن الله تعالى
قد أوجب للمطلقة قبل الدخول نصف ما أوجبه لها بعد الدخول ، فإذا كان القول باعتبار
حال دونها يؤدي إلى مخالفة معنى الكتاب ودلالته وإلى خلاف المعروف في
العادات ، سقط ووجب اعتبار حالها معه . ويفسد أيضا من وجه آخر : وهو أنه لو تزوج
رجلان موسران أختين فدخل أحدهما بامرأته كان لها مهر مثلها ألف درهم ، إذ لم يسم
لها مهرا ، وطلق الآخر امرأته قبل الدخول من غير تسمية أن تكون المتعة لها على قدر
حال الرجل ، وجائز أن يكون ذلك أضعاف مهر أختها فيكون ما تأخذه المدخول بها أقل
مما تأخذه المطلقة ، وقيمة البضعين واحدة وهما متساويتان في المهر ، فيكون الدخول
مدخلا عليها ضررا ونقصانا في البدل ، وهذا منكر غير معروف . فهذه الوجوه كلها تدل
على اعتبار حال المرأة معه .
وقال أصحابنا : ( إنه إذا طلقها قبل الدخول ولم يسم لها وكانت متعتها أكثر من
أحكام القرآن — صفحة 525
مساهمون: الجصاص
ص٥٢٥