قيل له : لما أراد ما يعقل ومالا يعقل جاز تغليب اسم ما يعقل ، كقوله تعالى :
( خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم
من يمشي على أربع ) [ النور : 45 ] لما دخل في الجملة من يعقل أجرى الجميع مجرى
واحدا .
وهذه الآية تدل على أن أصول اللغات كلها توقيف من الله تعالى لآدم عليه السلام
عليها على اختلافها ، وأنه علمه إياها بمعانيها ، إذ لا فضيلة في معرفة الأسماء دون
المعاني ، وهي دلالة على شرف العلم وفضيلته ، لأنه تعالى لما أراد إعلام الملائكة فضيلة
آدم علمه الأسماء بمعانيها حتى أخبر الملائكة بها ولم تكن الملائكة علمت منها ما علمه
آدم فاعترفت له بالفضل في ذلك .
ومن الناس من يقول إن لغة آدم وولده كانت واحدة إلى زمان الطوفان ، فلما أغرق
الله تعالى أهل الأرض وبقي من نسل نوح من بقي وتوفي نوح عليه السلام وتوالدوا
وكثروا ، أرادوا بناء صرح ببابل يمتنعون به من طوفان إن كان بلبل الله ألسنتهم فنسي كل
فرقة منهم اللسان الذي كان عليه ، وعلمها الله الألسنة التي توارثها بعد ذلك ذريتهم
عنهم ، وتفرقوا في البلدان وانتشروا في الأرض .
ومن الناس من يأبى ذلك ويقول : لا يجوز أن ينسى انسان كامل العقل جميع لغته
التي كان يتكلم بها بالأمس ، وأنهم قد كانوا عارفين بجميع اللغات إلى أن تفرقوا ،
فاقتصر كل أمة منهم على اللسان الذي هم عليه اليوم وتركوا سائر الألسنة التي كانوا
عرفوها ولم تأخذها عنهم أولادهم ونسلهم ، فلذلك لم يعرف من نشأ بعدهم سائر
اللغات .
باب السجود لغير الله تعالى
قال الله تعالى : ( وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا ) روى شعبة عن قتادة :
أن الطاعة كانت لله تعالى في السجود لآدم ، أكرمه الله بذلك . وروى معمر عن قتادة في
قوله ( وخروا له سجدا ) [ يوسف : 100 ] قال : ( كانت تحيتهم السجود ) . وليس يمتنع
أن يكون ذلك السجود عبادة لله تعالى وتكرمة وتحية لآدم عليه السلام ، وكذلك سجود
إخوة يوسف عليهم السلام وأهله له ، وذلك لأن العبادة لا تجوز لغير الله تعالى ، والتحية
والتكرمة جائزان لمن يستحق ضربا من التعظيم .
ومن الناس من يقول : إن السجود كان لله وآدم كان بمنزلة القبلة لهم . وليس هذا
بشئ ، لأنه يوجب أن لا يكون لآدم في ذلك حظ من التفضيل والتكرمة . وظاهر ذلك
أحكام القرآن — صفحة 36
مساهمون: الجصاص
ص٣٦