والعلم بصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لأن الله تعالى لم يقتصر فيما دعا الناس إليه من معرفة
توحيده وصدق رسوله على الخبر دون إقامة الدلالة على صحته من جهة عقولنا . وقوله
تعالى : ( وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار )
يدل على أن البشارة هي الخبر السار ، والإظهار والأغلب أن إطلاقه يتناول من الأخبار ما
يحدث عنده الاستبشار والسرور وإن كان قد يجري على غيره مقيدا كقوله ( فبشرهم
بعذاب أليم ) [ آل عمران : 21 ] وكذلك قال أصحابنا فيمن قال : ( أي عبد بشرني بولادة
فلانة فهو حر ) فبشروه جماعة واحدا بعد واحد ، أن الأول يعتق دون غيره لأن البشارة
حصلت بخبره دون غيره ، ولم يكن هذا عندهم بمنزلة ما لو قال : ( أي عبد أخبرني
بولادتها ) ، فأخبروه واحدا بعد واحد أنهم يعتقون جميعا ، لأنه عقد اليمين على خبر
مطلق فيتناول سائر المخبرين ، وفي البشارة عقدها على خبر مخصوص بصفة وهو ما
يحدث عنده السرور والاستبشار . ويدل على أن موضوع هذا الخبر ما وصفنا قولهم :
رأيت البشر في وجهه ، يعني الفرح والسرور . قال الله في صفة وجوه أهل الجنة ( وجوه
يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة ) [ عبس : 38 و 39 ] فأخبر عما ظهر في وجوههم من آثار
السرور والفرح بذكر الاستبشار ، ومنه سموا الرجل بشيرا تفاؤلا منهم إلى الأخبار بالخير
دون الشر . وسموا ما يعطى البشير على هذا الخبر بشرى ، وهذا يدل على أن الإطلاق
يتناول الخبر المفيد سرورا فلا ينصرف إلى غيره إلا بدلالة ، وأنه متى أطلق في الشر فإنما
يراد به الخبر فحسب ، وكذلك قوله تعالى ( فبشرهم بعذاب اليم ) [ آل عمران : 21 ]
معناه أخبرهم . ويدل على ما وصفنا من أن البشير هو المخبر الأول فيما ذكرنا من حكم
اليمين قولهم : ( ظهرت لنا تباشير هذا الأمر ) يعنون أوله ، ولا يقولون ذلك في الشر وفيما
يغم ، وإنما يقولونه فيما يسر ويفرح . ومن الناس من يقول أن أصله فيما يسر ويغم ، لأن
معناه ما يظهر أولا في بشرة الوجه من سرور أو غم ، إلا أنه كثر فيما يسر فصار الإطلاق
أخص به منه بالشر .
وقوله تعالى : ( وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبؤوني
بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين ) يدل على أنه علم الأسماء كلها لآدم ، أعني الأجناس
بمعانيها لعموم اللفظ في ذكر الأسماء . وقوله ( ثم عرضهم على الملائكة ) فيه دلالة
على أنه أراد أسماء ذريته على ما روي عن الربيع بن أنس ، إلا أنه قد روي عن ابن عباس
ومجاهد أنه علمه أسماء جميع الأشياء . وظاهر اللفظ يوجب ذلك .
فإن قيل : لما قال ( عرضهم ) دل على أنه أسماء من يعقل ، لأن ( هم ) إنما يطلق
فيما يعقل دون مالا يعقل .
أحكام القرآن — صفحة 35
مساهمون: الجصاص
ص٣٥