والتبدئة بسم الله تعالى ، وتعليمنا حمده والثناء عليه ، والدعاء له ، والرغبة إليه في الهداية
إلى الطريق المؤدي إلى معرفته وإلى جنته ورضوانه دون طريق المستحقين لغضبه
والضالين عن معرفته ، وشكره على نعمته ، ثم ابتدأ في سورة البقرة بذكر المؤمنين
ووصفهم ، ثم ذكر الكافرين وصفتهم ، ثم ذكر المنافقين ونعتهم وتقريب أمرهم إلى قلوبنا
بالمثل الذي ضربه بالذي استوقد نارا وبالبرق الذي يضئ في الظلمات من غير بقاء ولا
ثبات ، وجعل ذلك مثلا لإظهارهم الإيمان ، وإن الأصل الذي يرجعون إليه وهم ثابتون
عليه هو الكفر ، كظلمة الليل والمطر اللذين يعرض في خلالهما برق يضئ لهم ثم يذهب
فيبقون في ظلمات لا يبصرون . ثم ابتدأ بعد انقضاء ذكر هؤلاء بإقامة الدلالة على التوحيد
بما لا يمكن أحد دفعه : من بسطه الأرض وجعلها قرارا ينتفعون بها ، وجعل معايشهم
وسائر منافعهم وأقواتهم منها ، وإقامتها على غير سند ، إذ لا بد أن يكون لها نهاية لما
ثبت من حدوثها ، وأن ممسكها ومقيمها كذلك هو الله خالقها وخالقكم المنعم عليكم بما
جعل لكم فيها من أقواتكم وسائر ما أخرج من ثمارها لكم ، إذ لا يجوز أن يقدر على
مثل ذلك إلا القادر الذي لا يعجزه ولا يشبهه شئ ، فحثهم على الاستدلال بدلائله ،
ونبههم على نعمه ، ثم عقب ذلك بالدلالة على نبوة النبي عليه السلام بما أظهر من
عجزهم عن الإتيان بمثل سورة من القرآن ، ودعاهم في ذلك كله إلى عبادة الله تعالى
وحده المنعم علينا بهذه النعم ، فقال : ( فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون ) يعني - والله
أعلم - تعلمون أن ما تدعونه آلهة لا تقدر على شئ من ذلك ، وأن الله هو المنعم عليكم
به دونها ، وهو الخالق لها . وقيل في معنى قوله ( وأنتم تعلمون ) أنكم تعلمون الفصل بين
الواجب وغير الواجب ، ويكون معناه أن الله تعالى قد جعل لكم من العقل ما يمكنكم به
الوصول إلى معرفة ذلك فوجب تكليفكم ذلك ، إذ غير جائز في العقل إباحة الجهل بالله
تعالى مع إزاحة العلة والتمكن من المعرفة ، فلما قرر جميع ذلك عندهم بدلائله الدالة
عليه عطف عليه بذكر الوعيد بقوله : ( فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها
الناس والحجارة أعدت للكافرين ) ثم عقب بذكر ما وعد المؤمنين في الآخرة بقوله :
( وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ) إلى آخر ما
ذكر
مطلب في أمر الله تعالى باستعمال الحجج العقلية والاستدلال بها
قال أبو بكر رحمه الله : وقد تضمنت هذه الآيات مع ما ذكرنا من التنبيه على دلائل
التوحيد وإثبات النبوة الأمر باستعمال حجج العقول والاستدلال بدلائلها ، وذلك مبطل
لمذهب من نفي الاستدلال بدلائل الله تعالى واقتصر على الخبر بزعمه في معرفة الله
أحكام القرآن — صفحة 34
مساهمون: الجصاص
ص٣٤