يكن معتديا عليه ، وإنما الاعتداء عليه أن يزيل من ملكه مثل ما أزال أو يزيل يده عن مثل
ما أزال عنه يد المغصوب منه ، فأما أخذ ملكه بعينه فليس فيه اعتداء على أحد ولا فيه
أخذ المثل . ويحتج به في إيجاب القصاص فيما يمكن استيفاء المماثلة والمساواة فيه
دون ما لم يعلم فيه استيفاء المماثلة ، وذلك نحو قطع اليد من نصف الساعد والجائفة
والآمة في سقوط القصاص فيها لتعذر استيفاء المثل ، إذ كان الله تعالى إنما أمرنا باستيفاء
المثل . ويحتج به أبو حنيفة فيمن قطع يد رجل وقتله أن لوليه أن يقطع يده ثم يقتله ،
لقوله : ( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ) فله أن يفعل به مثل ما
فعل بمقتضى الآية .
وقوله تعالى : ( وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) قال أبو بكر :
قد قيل فيه وجوه : أحدها ما حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا
أحمد بن عمرو بن السرح : قال حدثنا ابن وهب عن حياة بن شريح ، وابن لهيعة عن
زيد بن أبي حبيب ، عن أسلم أبي عمران قال : غزونا بالقسطنطينية وعلى الجماعة
عبد الرحمن بن الوليد والروم ملصقو ظهورهم بحائط المدينة ، فحمل رجل على العدو ،
فقال الناس : مه مه ! لا إله إلا الله ، يلقي بيديه إلى التهلكة ! فقال أبو أيوب : إنما نزلت
هذه الآية فينا معشر الأنصار ، لما نصر الله نبيه وأظهر دينه الاسلام قلنا : هلم نقيم في
أموالنا ونصلحها ! فأنزل الله تعالى : ( وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى
التهلكة ) فالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة أن نقيم في أموالنا فنصلحها وندع الجهاد ، قال
أبو عمران : فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية ، فأخبر
أبو أيوب أن الإلقاء بالأيدي إلى التهلكة هو ترك الجهاد في سبيل الله ، وأن الآية في ذلك
نزلت . وروي مثله عن ابن عباس وحذيفة والحسن وقتادة ومجاهد والضحاك . وروي عن
البراء بن عازب وعبيدة السلماني : ( الإلقاء بالأيدي إلى التهلكة هو اليأس من المغفرة
بارتكاب المعاصي ) . وقيل : ( هو الإسراف في الانفاق حتى لا يجد ما يأكل ويشرب
فيتلف ) . وقيل : ( هو أن يقتحم الحرب من غير نكاية في العدو ) وهو الذي تأوله القوم
الذي أنكر عليهم أبو أيوب وأخبر فيه بالسبب . وليس يمتنع أن يكون جميع هذه المعاني
مرادة بالآية لاحتمال اللفظ لها وجواز اجتماعها من غير تضاد ولا تناف . فأما حمله على
الرجل الواحد يحمل على حلبة العدو ، فإن محمد بن الحسن ذكر في السير الكبير أن
رجلا لو حمل على ألف رجل وهو وحده لم يكن بذلك بأس إذا كان يطمع في نجاة أو
نكاية ، فإن كان لا يطمع في نجاة ولا نكاية فإني أكره له ذلك ، لأنه عرض نفسه للتلف
من غير منفعة للمسلمين ، وإنما ينبغي للرجل أن يفعل هذا إذا كان يطمع في نجاة أو
أحكام القرآن — صفحة 318
مساهمون: الجصاص
ص٣١٨