فعدة من أيام أخر ) وقد كان هذا مسافرا . وكذلك من كان مريضا في أوله ثم برئ وجب
أن يجوز له الإفطار بقضية ظاهرة ، إذ قد حصل له اسم المسافر والمريض ، فلما لم يكن
قوله : ( ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ) مانعا من لزوم صومه إذا أقام أو
برئ في بعض الشهر ، وكان هذا الحكم مقصورا على حال بقاء السفر والمرض ، كذلك
قوله : ( فمن شهد منكم الشهر ) مقصور على حال بقاء الإقامة ، وقد نقل أهل السير
وغيرهم إنشاء النبي صلى الله عليه وسلم السفر في رمضان في عام الفتح ، وصومه في ذلك السفر ،
وإفطاره بعد صومه ، وأمره الناس بالإفطار ، مع آثار مستفيضة وهي مشهورة غير محتاجة
إلى ذكر الأسانيد ، وهذا يدل على أن مراد الله في قوله تعالى : ( فمن شهد منكم الشهر
فليصمه ) مقصور على حال بقاء الإقامة في إلزام الصوم وترك الإفطار .
قوله تعالى : ( فليصمه ) قال أبو بكر رحمه الله : قد تكلمنا في معنى قوله جل
وعلا : ( فمن شهد منكم الشهر ) وما تضمنه من الأحكام وحواه من المعاني بما حضر ،
ونتكلم الآن بمشيئة الله وعونه في معنى قوله ( فليصمه ) وما حواه من الأحكام وانتظمه
من المعاني ، فنقول : أن الصوم على ضربين : صوم لغوي وصوم شرعي ، فأما الصوم
اللغوي فأصله الإمساك ، ولا يختص بالإمساك عن الأكل والشرب دون غيرهما ، بل كل
إمساك فهو مسمى في اللغة صوما ، قال الله تعالى : ( إني نذرت للرحمن صوما ) [ مريم :
26 ] والمراد الإمساك عن الكلام ، يدل عليه قوله عقيبه : ( فلن أكلم اليوم إنسيا ) [ مريم :
26 ] . وقال الشاعر :
وخيل صيام يلكن اللجم
وقال النابغة :
خيل صيام وخيل غير صائمة * تحت العجاج وخيل تعلك اللجما
وتقول العرب : ( صام النهار ، وصامت الشمس عند قيام الظهيرة ) لأنها كالممسكة
عن الحركة . وقال امرؤ القيس :
فدعها وسل الهم عنك بجسرة * ذمول إذا صام النهار وهجرا
فهذا معنى اللفظ في اللغة .
وهو في الشرع يتناول ضربا من الإمساك على شرائط معلومة لم يكن الاسم يتناوله
في اللغة ، ومعلوم أنه غير جائز أن يكون الصوم الشرعي هو الإمساك عن كل شئ
لاستحالة كون ذلك من الانسان ، لأن ذلك يوجب خلو الانسان من المتضادات حتى
لا يكون ساكنا ولا متحركا ولا آكلا ولا تاركا ولا قائما ولا قاعدا ولا مضطجعا ، وهذا
أحكام القرآن — صفحة 231
مساهمون: الجصاص
ص٢٣١