يهدم ما قبله ) . وإنما قال أصحابنا : يمسك المسلم في بعض رمضان والصبي بقية يومهما
عن الأكل والشرب ، من قبل أنه قد طرئ عليهما وهما مفطران حال لو كانت موجودة في
أول النهار كانا مأمورين بالصيام ، فواجب أن يكونا مأمورين بالإمساك في مثله إذا كانا
مفطرين ، والأصل فيها ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه بعث إلى أهل العوالي يوم عاشوراء
فقال : ( من أهل فليمسك بقية يومه ، ومن لم يأكل فليصم ! ) وروي أنه أمر الآكلين
بالقضاء وأمرهم بالإمساك مع كونهم مفطرين ، لأنهم لو لم يكونوا قد أكلوا لأمروا
بالصيام ، فاعتبرنا بذلك كل حال تطرأ عليه في بعض النهار وهو مفطر بما لو كانت
موجودة في أوله كيف كان يكون حكمه ، فإن كان مما يلزمه بها الصوم أمر بالإمساك ،
وإن كان مما لا يلزمه لم يؤمر به ومن أجل ذلك قالوا في الحائض إذا طهرت في بعض
النهار ، والمسافر إذا قدم وقد أفطر في سفره ، إنهما مأموران بالإمساك ، إذ لو كانت حال
الطهر والإقامة موجودة في أول النهار كانا مأمورين بالصيام ، وقالوا : لو حاضت في
بعض النهار لم تؤمر بالإمساك إذ الحيض لو كان موجودا في أول النهار لم تؤمر بالصيام .
فإن قيل : فهلا أبحت لمن كان مقيما في أول النهار ثم سافر أن يفطر ، لأن حال
السفر لو كانت موجودة في أول النهار ثم سافر كان مبيحا للإفطار ! قيل له : لم نجعل ما
قدمنا علة للإفطار ولا للصوم ، وإنما جعلناه علة لإمساك المفطر ، فأما إباحة الإفطار
وحظره فله شرط آخر غير ما ذكرنا .
وقد حوى قوله تعالى : ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) أحكاما أخر غير ما
ذكرنا ، منها : دلالته على أن من استبان له بعد ما أصبح أنه من رمضان فعليه أن يبتدئ
صومه ، لأن الآية لم تفرق بين من علمه من الليل أو في بعض النهار ، وهي عامة في
الحالين جميعا ، فاقتضى ذلك جواز ترك نية صوم رمضان من الليل ، وكذلك المغمى
عليه والمجنون إذا أفاقا في بعض النهار ولم يتقدم لهما نية الصوم من الليل فواجب
عليهما أن يبتدئا الصيام في ذلك الوقت ، لأنهما قد شهدا الشهر ، وقد جعل الله شهود
الشهر شرطا للزوم الصوم . وفي الآية حكم آخر : تدل أيضا على من نوى بصيامه في
شهر رمضان تطوعا أو عن فرض آخر أنه مجزئ عن رمضان ، لأن الأمر بفعل الصوم فيه
ورد مطلقا غير مقيد بوصف ولا مخصوص بشرط نية الفرض ، فعلى أي وجه صام فقد
قضى عهدة الآية وليس عليه غيره ، وفيها حكم آخر : تدل أيضا على لزوم صوم أول يوم
من رمضان لمن رأى الهلال وحده دون غيره ، وأنه غير جائز له الإفطار مع كون اليوم
محكوما عند سائر الناس أنه من شعبان . وقد روى روح بن عبادة عن هشام ، وأشعث عن
الحسن فيمن رأى الهلال وحده : أنه لا يصوم إلا مع الإمام . وروى ابن المبارك عن ابن
أحكام القرآن — صفحة 228
مساهمون: الجصاص
ص٢٢٨