واستقراره فيه مع إمكان الامتناع منه في العادة . ولا يلزم على ذلك الذباب والدخان
والغبار يدخل حلقه ، لأن جميع ذلك لا يستطاع الامتناع منه في العادة ولا يمكن التحفظ
منه بإطباق الفم .
فإن قيل : فإن أبا حنيفة لا يوجب بالإفطار في الإحليل القضاء قيل له : إنما لم
يوجبه لأنه كان عنده أنه لا يصل إلى المثانة ، وقد روي ذلك عنه منصوصا ، وهذا يدل
على أن عنده إن وصل إلى المثانة أفطر . وأما أبو يوسف ومحمد فإنهما اعتبرا وصوله إلى
الجوف من مخارق البدن التي هي خلقة في بنية الانسان .
وأما وجه إيجاب القضاء على من استقاء عمدا دون من ذرعه القئ ، فإن القياس
أن لا يفطره الاستقاء عمدا ، لأن الفطر في الأصل هو من الأكل وما جرى مجراه من
الجماع كما قال ابن عباس ( إنه لا يفطره الاستقاء عمدا لأن الإفطار مما يدخل وليس مما
يخرج ) والوضوء مما يخرج وليس مما يدخل ، وكسائر الأشياء الخارجة من البدن
لا يوجب الإفطار بالاتفاق ، فكان خروج القئ بمثابتها وإن كان من فعله ، إلا أنهم تركوا
القياس للأثر الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك - ولاحظ للنظر مع الأثر - والأثر الثابت
هو حديث عيسى بن يونس ، عن هشام بن حسان ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة ،
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من ذرعه القئ لم يفطر ولا قضاء عليه ، ومن استقاء عمدا فعليه
القضاء ) .
فإن قيل : خبر هشام بن حسان عن ابن سيرين في ذلك غير محفوظ ، وإنما
الصحيح من هذا الطريق في الأكل ناسيا . قيل له : قد روى عيسى بن يونس لخبرين معا
عن هشام بن حسان ، وعيسى بن يونس هو الثقة المأمون المتفق على ثبته وصدقه . وقد
حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : روى أيضا حفص بن غياث عن هشام
مثله . وروى الأوزاعي عن يعيش بن الوليد ، أن معدان بن أبي طلحة حدثه : أن أبا
الدرداء حدثه : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قاء فأفطر ) قال : فلقيت ثوبان فذكرت له ذلك ، فقال :
صدق ! وأنا صببت له وضوءه . وروى وهب بن جرير قال : حدثنا أبي قال : سمعت
يحيى بن أيوب يحدث عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي مرزوق ، عن حبيش ، عن
فضالة بن عبيد قال : كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فشرب ماء : فقلت : يا رسول الله ألم تك
صائما ؟ فقال : ( بلى ! ولكني قئت ) . وإنما تركوا القياس في الاستقاء لهذه الآثار .
فإن قيل : قد روي أن القئ لا يفطر ، وهو ما حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا
أبو داود قال : حدثنا محمد بن كثير قال : حدثنا سفيان عن زيد بن أسلم ، عن رجل من
أحكام القرآن — صفحة 234
مساهمون: الجصاص
ص٢٣٤