وهو في الشرع اسم للكف عن الأكل والشرب وما في معناه ، وعن الجماع في نهار
الصوم مع نية القرابة أو الفرض ، وهو لفظ مجمل مفتقر إلى البيان عند وروده ، لأنه اسم
شرعي موضوع لمعان لم تكن معقولة في اللغة ، إلا أنه بعد ثبوت الفرض واستقرار أمر
الشريعة قد عقل معناه الموضوع له فيها بتوقيف النبي صلى الله عليه وسلم الأمة عليها .
وقوله تعالى : ( كما كتب على الذين من قبلكم ) يعتوره معان ثلاثة كل واحد منها
مروي عن السلف ، قال الحسن والشعبي وقتادة : ( إنه كتب على الذين من قبلنا - وهم
النصارى - شهر رمضان أو مقدار من عدد الأيام ، وإنما حولوه وزادوا فيه ) . وقال ابن
عباس والربيع بن أنس والسدي : ( كان الصوم من العتمة إلى العتمة ولا يحل بعد النوم
مأكل ولا مشرب ولا منكح ، ثم نسخ ) . وقال آخرون : ( معناه أنه كتب علينا صيام أيام
كما كتب عليهم صيام أيام ، ولا دلالة فيه على مساواته في المقدار بل جائز فيه الزيادة
والنقصان ) . وروي عن مجاهد وقتادة : ( الذين من قبلكم أهل الكتاب ) . وروى
عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ بن جبل قال : ( أحيل الصيام ثلاثة أحوال ، فقد رسول
الله صلى الله عليه وسلم المدينة فجعل الصوم كل شهر ثلاثة أيام ويوم عاشوراء ، ثم إن الله تعالى فرض
الصيام بقوله : ( كتب عليكم الصيام ) . وذكر نحو قول ابن عباس الذي قدمنا .
قال أبو بكر : لما لم يكن في قوله : ( كما كتب على الذين من قبلكم ) دلالة على
المراد في العدد أو في صفة الصيام أو في الوقت كان اللفظ مجملا ، ولو علمنا وقت
صيام من قبلنا وعدده كان جائزا أن يكون مراده صفة الصيام وما حظر على الصائم فيه
بعد النوم ، فلم يكن لنا سبيل إلى استعمال ظاهر اللفظ في احتذاء صوم من قبلنا ، وقد
عقبه تعالى بقوله : ( أياما معدودات ) وذلك جائز وقوعه على قليل الأيام وكثيرها ، فلما
قال تعالى في نسق التلاوة : ( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من
الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) بين بذلك عدد الأيام المعدودات ووقتها
وأمر بصومها . ، وقد روي هذا المعنى عن ابن أبي ليلى . وروي عن ابن عباس وعطاء أن
المراد بقوله تعالى : ( أياما معدودات ) صوم ثلاثة أيام من كل شهر قبل أن ينزل رمضان ،
ثم نسخ برمضان .
قوله تعالى : ( فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ) . قال أبو
بكر : ظاهره يقتضي جواز الإفطار لمن لحقه الاسم سواء كان الصوم يضره أو لا ، إلا أنا
لا نعلم خلافا أن المريض الذي لا يضره الصوم غير مرخص له في الإفطار ، فقال
أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد : إذا خاف أن تزداد عينه وجعا أو حماه شدة أفطر ) . وقال
مالك في الموطأ : ( من أجهده الصوم أفطر وقضى ولا كفارة عليه ، والذي سمعته أن
أحكام القرآن — صفحة 212
مساهمون: الجصاص
ص٢١٢