الرجل والمرأة ليعملان وكان بطاعة الله ستين سنة ثم يحضرهما الموت فيضاران في الوصية
فتجب لهما النار ) ثم قرأ علي أبو هريرة من ههنا : ( من بعد وصية يوصى بها أو دين غير
مضار ) حتى بلغ : ( ذلك الفوز العظيم ) .
فهذه الأخبار مع ما قدمنا توجب على من علم جنفا في الوصية من موص أن يرده
إلى العدل إذا أمكنه ذلك .
فإن قيل : على ماذا يعود الضمير الذي في قوله ( بينهم ) ؟ قيل له : لما ذكر الله
الموصي أفاد بفحوى الخطاب أن هناك موصى له ووارثا تنازعوا ، فعاد الضمير إليهم
بفحوى الخطاب في الإصلاح بينهم ، وأنشد الفراء :
وما أدري إذا يممت أرضا * روى أريد الخير أيهما يليني
أألخير ولم الذي أنا أبتغيه * أم الشر الذي هو يبتغيني
فكنى في البيت الأول عن الشر بعد ذكر الخير وحده لما في فحوى اللفظ من
الدلالة عليه عند ذكر الخير وغيره .
وقد قيل : إن الضمير عائدا على المذكورين في ابتداء الخطاب ، وهم الوالدان
والأقربون . وقد أفادت هذه الآية على أن على الوصي والحاكم والوارث وكل من وقف
على جور في الوصية من جهة الخطأ أو العمد ردها إلى العدل ، ودل على أن قوله تعالى : ( فمن بدله بعد ما سمعه ) خاص في الوصية العادلة دون الجائرة .
وفيها الدلالة على جواز اجتهاد الرأي والعمل على غالب الظن ، لأن الخوف من
الميل يكون في غالب ظن الخائف . وفيها رخصة في الدخول بينهم على وجه الإصلاح
مع ما فيه من زيادة أو نقصان عن الحق بعد أن يكون ذلك بتراضيهم . والله الموفق .
باب فرض الصيام
قال الله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من
قبلكم لعلكم تتقون ) فالله تعالى أوجب علينا فرض الصيام بهذه الآية ، لأن قوله ( كتب
عليكم ) معناه فرض عليكم ، كقوله : ( كتب عليكم القتال وهو كره لكم ) [ البقرة :
216 ] وقوله : ( إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا ) [ النساء : 103 ] يعني فرضا
موقتا . والصيام في اللغة هو الإمساك ، قال الله تعالى : ( إني نذرت للرحمن صوما فلن
أكلم اليوم إنسيا ) [ مريم : 26 ] يعني صمتا ، فسمى الإمساك عن الكلام صوما . ويقال :
( خيل صيام ) إذا كانت ممسكة عن العلف ، و ( صامت الشمس نصف النهار ) لأنها ممسكة
عن السير والحركة ، فهذا حكم هذا اللفظ في اللغة ،
أحكام القرآن — صفحة 211
مساهمون: الجصاص
ص٢١١