السلام : ( أيما إهاب دبغ فقد طهر ) وقوله : دباغ الأديم ذكاته ) عام في جلود السباع
وغيرها ، وهذا يدل على أن النهي عن جلود السباع ليس من جهة النجاسة بل على وجه
الكراهة والتشبه بالعجم .
باب تحريم الدم
قال الله تعالى : ( إنما حرم عليكم الميتة والدم ) وقال : ( حرمت عليكم الميتة
والدم ) [ المائدة : 3 ] فلو لم يرد في تحريمه غير هاتين الآيتين لاقتضى ذلك تحريم سائر
الدماء قليلها وكثيرها ، فلما قال في آية أخرى ( قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على
طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا ) [ الأنعام : 145 ] دل ذلك على أن
المحرم من الدم هو المسفوح دون غيره .
فإن قال قائل : قوله : ( أو دما مسفوحا ) [ الأنعام : 145 ] خاص فيما كان منه على
هذه الصفة ، وقوله في الآيتين الأخريين عام في سائر الدماء ، فوجب إجراؤه على
عمومه ، إذ ليس في الآية ما يخصه . قيل له قوله : ( أو دما مسفوحا ) [ الأنعام : 145 ]
جاء فيه نفي لتحريم سائر الدماء إلا ما كان منه بهذا الوصف ، لأنه قال : ( قل لا أجد
فيما أوحي إلي محرما على طاعم ) إلى قوله ( أو دما مسفوحا ) [ الأنعام : 145 ] وإذا
كان ذلك عل ما وصفنا لم يخل من أن يكون قوله : ( إنما حرم عليكم الميتة والدم )
متأخرا عن قوله : ( أو دما مسفوحا ) [ الأنعام : 145 ] أو أن يكونا نزلا معا ، فلما عدمنا
تاريخ نزول الآيتين وجب الحكم بنزولهما معا ، فلا يثبت حينئذ تحريم الدم إلا معقودا
بهذه الصفة وهو أن يكون مسفوحا .
وحدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن إسحاق المروزي قال : حدثنا الحسين بن
أبي الربيع الجرجاني : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن
عكرمة قال : لولا هذه الآية : ( أو دما مسفوحا ) [ الأنعام : 145 ] لاتبع المسلمون من
العروق ما اتبع اليهود . وحدثنا عبد الله بن محمد قال : حدثنا الحسن قال : أخبرنا
عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر عن قتادة في قوله : ( أو دما مسفوحا ) [ الأنعام : 145 ]
قال : ( حرم من الدم ما كان مسفوحا ، وأما اللحم يخالطه الدم فلا بأس به ) . وروى
القاسم بن محمد عن عائشة ، أنها سئلت عن الدم يكون في اللحم والمذبح قالت : ( إنما
نهى الله عن الدم المسفوح ) .
ولا خلاف بين الفقهاء في جواز أكل اللحم مع بقاء أجزاء الدم في العروق ، لأنه
غير مسفوح ، ألا ترى أنه متى صب عليه الماء ظهرت تلك الأجزاء فيه وليس هو بمحرم
أحكام القرآن — صفحة 150
مساهمون: الجصاص
ص١٥٠