كانت فيه حياة لتألم بقطعها كما يؤلمه قطع سائر أعضائه ، فدل ذلك على أن شعر
والصوف والعظم والقرن والظلف والريش لا حياة فيها ، فلا يلحقها حكم الموت ،
ووجود النماء فيها لا يوجب لها حياة ، لأن الشجر والنبات ينميان ولا حياة فيهما ولا
يلحقهما حكم الموت ، فكذلك الشعر والصوف . ويدل عليه أيضا قول النبي عليه
السلام : ( ما بان من البهيمة وهي حية فهو ميت ) ويبين منها الشعر والصوف ولا يلحقهما
حكم الموت ، فلو كان مما يلحقهما حكم الموت لوجب أن لا يحل إلا بذكاة الأصل
كسائر أعضاء الحيوان ، فدل ذلك على أنه لا يلحقه حكم الموت ولا يحتاج إلى ذكاة .
وقد روي عن الحسن ومحمد بن سيرين وسعيد بن المسيب وإبراهيم إباحة شعر
الميتة وصوفها . وروي عن عطاء كراهية الميتة وعظام الفيل ، وعن طاوس كراهة عظام
الفيل . وروي عن ابن عمر أنه رأى على رجل فروا فقال : لو أعلمه ذكيا لسرني أن يكون
لي منه ثوب . وذكر أنس أن عمر رأى على رجل قلنسوة ثعلب فنزعها وقال : ما يدريك
لعله مما لم يذك .
وقد اختلف في جلود السباع ، فكرهها قوم وأباحها أصحابنا ومن قدمنا ذكره من
الصحابة والتابعين . وقد روى عطاء عن ابن عباس ، وأبو الزبير عن جابر ، ومطرف عن
عمار ، إباحة الانتفاع بجلود السباع . وعن علي بن حسين والحسن وإبراهيم والضحاك
وابن سيرين : ( لا بأس بلبس جلود السباع ) . وعن عطاء عن عائشة في الفراء : ( دباغها
ذكاتها ) .
فإن قال قائل : روى قتادة عن أبي المليح عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ( نهى عن جلود
السباع ) وقتادة عن أبي شيخ الهنائي أن معاوية قال لنفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : تعلمون
أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن سروج النمور أن يركب عليها ؟ قالوا : وقد تنازع أهل العلم
معنى هذين الحديثين ، فقال قائلون : هذا نهي تحريم يقتضي تحريم لبسها على كل حال ،
وقال آخرون : هو على وجه الكراهية والتشبه بزي العجم ، ) كما روى أبو إسحاق عن
هبيرة بن مريم عن علي قال : ( نهى النبي عليه السلام عن خاتم الذهب وعن لبس
القسي وعن الثياب الحمر ) . وما روي عن الصحابة في إباحة لبس جلود السباع
والانتفاع بها يدل على أن النهي على وجه الكراهية والتشبه بالعجم . وقد تقدم ذكر
حديث سلمان وغيره عن النبي عليه السلام في إباحة لبس الفراء والانتفاع بها ، وقوله عليه
أحكام القرآن — صفحة 149
مساهمون: الجصاص
ص١٤٩