المنازل ، فجاز من أجل ذلك أن يعتبر في بعضها أكثر من قدر الدرهم وفي بعضها الكثير
الفاحش على حسب قيام دلالة التخفيف والتغليظ ، والله أعلم بالصواب .
باب القدر يقع فيها الطير فيموت
ذكر أبو جعفر الطحاوي قال : سمعت أبا حازم القاضي يحدث عن سويد بن سعيد
عن علي بن مسهر قال : كنت عند أبي حنيفة رضي الله عنه فأتاه ابن المبارك بهيئة
خراساني ، فسأله عن رجل نصب له قدرا فيها لحم على النار فمر طير فوقع فيها فمات ،
فقال أبو حنيفة لأصحابه : ماذا ترون ؟ فذكروا له عن ابن عباس أن اللحم يؤكل بعدما
يغسل ويهراق المرق ، فقال أبو حنيفة : بهذا نقول ، ولكن هو عندنا على شريطة ، فإن
كان وقع فيها في حال سكونها فكما في هذه الرواية ، وإن وقع فيها في حال غليانها لم
يؤكل اللحم ولا المرق . فقال له ابن المبارك : ولم ذلك ؟ فقال : لأنه إذا سقط فيها في
حال غليانها فمات فقد داخلت الميتة اللحم ، وإذا وقع في حال سكونها فمات فإن الميتة
وسخت اللحم . فقال ابن المبارك وعقد بيده ثلاثين . هذا زرين ، بالفارسية ، يعني
المذهب . وروى ابن المبارك عن عباد بن راشد عن الحسن مثل جواب أبي حنيفة رضي
الله عنه . وقد ذكر أبو حنيفة رضي الله عنه علة فرقه بين وقوعه في حال الغليان وحال
السكون ، وهو فرق ظاهر . وقال ابن وهب عن مالك في الدجاجة تقع في قدر اللحم
وهي تطبخ فتموت فيها ، قال : ( لا أرى أن آكل تلك القدر ، لأن الميتة قد اختلطت بما
كان في القدر ) . وقال الأوزاعي : ( يغسل اللحم ويؤكل ) . وقال الليث بن سعد ( لا يؤكل
ذلك اللحم حتى يغسل مرارا ويغلي على النار حتى يذهب كل ما كان فيه ) . وقد روى ابن
المبارك عن عثمان بن عبد الله الباهلي قال : حدثني عكرمة عن ابن عباس في طير وقع في
قدر فمات فقال : ( يهراق المرق ويؤكل اللحم ) ولم يذكر فيه حال الغليان . وروى
محمد بن ثوبان عن السائب بن خباب : أنه كان له قدر على النار فسقطت فيها دجاجة
فماتت ونضجت مع اللحم ، فسألت ابن عباس فقال : ( اطرح الميتة واهرق المرق وكل
اللحم ، فإن كرهته فأرسل إلي منه عضوا أو عضوين ) . وهذا أيضا لا دلالة فيه على حال
الغليان ، لأنه جائز أن يكون وقعت فيه بعد سكون الغليان والمرق حار فنضجت فيه ، والله
سبحانه أعلم .