والغلط ، والثاني : جهة تلقي الفقهاء إياها بالقبول واستعمالهم لها . فثبت بذلك أنها
مستعملة مع آية تحريم الميتة وأن المراد بالآية تحريمها قبل الدباغ ، وما قدمنا من دلالة
قوله : ( على طاعم يطعمه ) [ الأنعام : 145 ] أن المراد بالآية فيما يتأتى فيه الأكل ،
والجلد بعد الدباغ خارج عن حد الأكل ، فلم يتناوله التحريم .
ومع ذلك فإن هذه الأخبار لا محالة بعد تحريم الميتة ، لولا ذلك لما رموا بالشاة
الميتة ولما قالوا إنها ميتة ، ولم يكن النبي عليه السلام ليقول : ( إنما حرم أكلها ) فدل
ذلك على أن تحريم الميتة مقدم على هذه الأخبار ، وأن هذه الأخبار مبينة أن الجلد بعد
الدباغ غير مراد بالآية .
ولما وافقنا مالك على جواز الانتفاع به بعد الدباغ فقد استعمل الأخبار الواردة في
طهارتها ، ولا فرق في شئ منها بين افتراشها والصلاة عليها وبين أن تباع أو يصلى
عليها ، بل في سائر الأخبار أن دباغها ذكاتها ودباغها طهورها . وإذا كانت مذكاة لم
يختلف حكم الصلاة عليها وبيعها وحكم افتراشها والجلوس عليها كسائر جلود الحيوان
المذكاة ، ألا ترى أنها قبل الدباغ باقية على حكم التحريم في امتناع جواز الانتفاع بها من
سائر الوجوه كالانتفاع بلحومها ؟ فلما اتفقنا على خروجها عن حكم الميتة بعد الدباغ فيما
وصفنا ثبت أنها مذكاة طاهرة بمنزلة ذكاة الأصل . ويدل على ذلك أيضا أن التحريم
متعلق بكونها مأكولة ، وإذا خرج عن حد الأكل صار بمنزلة الثوب والخشب ونحو ذلك .
ويدل على ذلك أيضا موافقة مالك إيانا على جواز الانتفاع بشعر الميتة وصوفها لامتناع
أكله ، وذلك موجود في الجلد بعد الدباغ فوجب أن يكون حكمه حكمها .
فإن قيل : إنما جاز ذلك في الشعر والصوف لأنه يؤخذ منه في حال الحياة ! قيل
له : ليس يمتنع أن يكون ما ذكرنا علة الإباحة ، وكذلك ما ذكرت ، فيكون للإباحة علتان ،
إحداهما : أنه لا يتأتى فيه الأكل ، والأخرى : أنه يؤخذ منه في حال الحياة فيجوز الانتفاع
به لأن موجبهما حكم واحد . ومتى عللناه بما وصفناه وجب قياس الجلد عليه ، وإذا
عللته بما وصفت كان مقصور الحكم على المعلول .
وقد روى الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عبد الله بن عكيم قال : قرئ
علينا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب ) فاحتج بذلك من
حظر جلد الميتة بعد الدباغ . وغير جائز معارضة الأخبار الواردة في الإباحة بهذا الخبر
من وجوه ، أحدها : أن الأخبار التي قدمناها في حيز التواتر الموجب للعلم ، وحديث
عبد الله بن عكيم ورد من طريق الآحاد ، وقد روى عاصم بن علي عن قيس بن الربيع عن
أحكام القرآن — صفحة 141
مساهمون: الجصاص
ص١٤١