باب جلود الميتة إذا دبغت
قوله تعالى : ( إنما حرم عليكم الميتة والدم ) وقوله تعالى : ( قل لا أجد فيما
أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما ) [ الأنعام : 145 ] يقتضي
تحريم الميتة بجميع أجزائها ، وجلدها من أجزائها ، لأنه قد حله الموت بدلا من الحياة
التي كانت فيه . إلا أن قوله : ( على طاعم يطعمه ) [ الأنعام : 145 ] قد دل على الاقتصار
بالتحريم على ما يتأتى فيه الأكل ، وقد بين النبي عليه السلام هذا المعنى في جلد الميتة
بعد الدباغ بقوله : ( إنما حرم أكلها وإنما حرم لحمها ) .
وقد اختلف الفقهاء في حكم جلد الميتة بعد الدباغ ، فقال أبو حنيفة وأصحابه
والحسن بن صالح وسفيان الثوري وعبد الله بن الحسن العنبري والأوزاعي والشافعي :
( يجوز بيعه بعد الدباغ والانتفاع به ) قال الشافعي : إلا جلد الكلب والخنزير . وأصحابنا
لم يفرقوا بين جلد الكلب وغيره ، وجعلوه طاهرا بالدباغ إلا جلد الخنزير خاصة . وقال
مالك : ( ينتفع بجلود الميتة في الجلوس عليها ويغربل عليها ولا تباع ولا يصلى عليها ) .
وقال الليث بن سعد : ( لا بأس ببيع جلود الميتة قبل الدباغ إذا بينت أنها ميتة ) . والحجة
لمن طهرها وجعلها مذكاة ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من الآثار المتواترة من الوجوه المختلفة
بألفاظ مختلفة كلها يوجب طهارتها والحكم بذكاتها ، فمنها حديث ابن عباس قال : ( أيما
إهاب دبغ فقد طهر ) وحديث الحسن عن الجون بن قتادة عن سلمة بن المحبق : أن النبي
صلى الله عليه وسلم أتى في غزوة تبوك على بيت بفنائه قربة معلقة فاستسقى فقيل : إنها ميتة ، فقال :
( ذكاة الأديم دباغته ) . وروى سعيد بن المسيب عن زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
( دباغ جلود الميتة طهورها ) وسماك عن عكرمة عن سودة بنت زمعة قالت : كانت لنا شاة
فماتت فطرحناها ، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( ما فعلت شأتكم ؟ ) فقلنا : رميناها ، فتلا قوله
تعالى : ( قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه ) [ الأنعام : 145 ] الآية
( أفلا استمتعتم بإهابها ! ) فبعثنا إليها فسلخناها ودبغنا جلدها وجعلناه سقاء وشربنا فيه
حتى صار شنا . وقالت أم سلمة : مر النبي صلى الله عليه وسلم بشاة ميمونة فقال : ( ما على أهل هذه لو
انتفعوا بإهابها ! ) والزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن ميمونة قالت : مر
النبي صلى الله عليه وسلم بشاة لهم ميتة فقال : ( ألا دبغوا إهابها فانتفعوا به ! ) فقالوا : يا رسول الله إنها
ميتة ، فقال : ( إنما حرم من الميتة أكلها ) في غير ذلك من الأخبار كلها يوجب طهارة جلد
الميتة بعد الدباغ كرهت الإطالة بذكرها .
وهذه الأخبار كلها متواترة موجبة للعلم والعمل قاضية على الآية من وجهين ،
أحدهما : ورودها من الجهات المختلفة التي يمنع من مثلها التواطؤ والاتفاق على الوهم
أحكام القرآن — صفحة 140
مساهمون: الجصاص
ص١٤٠