الأول بعد غيبتهم عن حضرته ، لتجويزهم ورود النسخ ، فكانوا في بقاء الحكم الأول على
غالب الظن دون اليقين ، فلذلك قبلوا خبر الواحد في رفعه .
فإن قال قائل : هلا أجزتم للمتيمم البناء على صلاته إذا وجد الماء كما بنى هؤلاء
عليها بعد تحويل القبلة ؟ قيل له : هو مفارق لما ذكرت ، من قبل أن تجويز البناء للمتيمم
لا يوجب عليه الوضوء ويجيز له البناء بالتيمم مع وجود الماء ، والقوم حين بلغهم تحويل
القبلة استداروا إليها ولم يبقوا على الجهة التي كانوا متوجهين إليها ، فنظير القبلة أن يؤمر
المتيمم بالوضوء والبناء ، ولا خلاف ان المتيمم إذا لزمه الوضوء لم يجز البناء عليه .
ومن جهة أخرى أن أصل الفرض للمتيمم إنما هو الطهارة بالماء والتراب بدل منه ، فإذا
وجد الماء عاد إلى أصل فرضه ، كالماسح على الخفين إذا خرج وقت مسحه فلا يبني ،
فكذلك المتيمم . ولم يكن أصل فرض المصلين إلى بيت المقدس حين دخلوا فيها
الصلاة إلى الكعبة ، وإنما ذلك فرض لزمهم في الحال . وكذلك الأمة إذا أعتقت في
الصلاة لم يكن عليها قبل ذلك فرض الستر ، وإنما هو فرض لزمها في الحال ، فأشبهت
الأنصار حين علمت بتحويل القبلة . وكذلك المجتهد فرضه التوجه إلى الجهة التي أداه
إليها اجتهاده لا فرض عليه غير ذلك بقوله : ( فأينما تولوا فثم وجه الله ) [ البقرة : 115 ] ،
فإنما انتقل من فرض إلى فرض ولم ينتقل من بدل إلى أصل الفرض .
وفي الآية حكم آخر ، وهو : أن فعل الأنصار في ذلك على ما وصفنا أصل في أن
الأوامر والزواجر إنما يتعلق أحكامها بالعلم ، ومن أجل ذلك قال أصحابنا فيمن أسلم في
دار الحرب ولم يعلم أن عليه صلاة ثم خرج إلى دار الاسلام : إنه لا قضاء عليه فيما
ترك ، لأن ذلك يلزم من طريق السمع ، وما لم يعلمه لا يتعلق عليه حكمه كما لم يتعلق
حكم التحويل على الأنصار قبل بلوغهم الخبر ، وهو أصل في أن الوكالات والمضاربات
ونحوهما من أوامر العباد لا ينسخ شئ منها إذا فسخها من له الفسخ إلا من بعد علم الآخر
بها . وذلك لا يتعلق حكم الأمر بها على من لم يبلغه ، ولذلك قالوا : لا يجوز تصرف
الوكيل قبل العلم بالوكالة . والله أعلم بالصواب .
باب القول في صحة الاجماع
قوله تعالى : ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ) . قال أهل
اللغة : الوسط العدل ، وهو الذي بين المقصر والغالي . وقيل : هو الخيار : والمعنى
واحد ، لأن العدل هو الخيار ، قال زهير :
هم وسط يرضى الأنام بحكمهم * إذا طرقت إحدى الليالي بمعظم *
أحكام القرآن — صفحة 106
مساهمون: الجصاص
ص١٠٦