دالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان يصلي إلى غير الكعبة وبعد ذلك حوله إليها . وهذا يبطل
قول من يقول : ليس في شريعة النبي ناسخ ولا منسوخ .
ثم اختلف في توجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس هل كان فرضا لا يجوز غيره أو كان
مخيرا في توجهه إليها وإلى غيرها . فقال الربيع بن أنس : ( كان مخيرا في ذلك ) ، وقال
ابن عباس : ( كان الفرض التوجه إليه بلا تخيير ) . وأي الوجهين كان فقد كان التوجه
فرضا لمن يفعله ، لأن التخيير لا يخرجه من أن يكون فرضا ككفارة اليمين أيها كفر به
فهو الفرض ، وكفعل الصلاة في أول الوقت وأوسطه وآخره ) .
وحدثنا جعفر بن محمد اليمان قال : حدثنا عبد الله بن صالح ، عن معاوية بن
صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قال : ( أول ما نسخ من القرآن شأن
القبلة ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة أمره الله تعالى أن يستقبل بيت
المقدس ، ففرحت اليهود بذلك ، فاستقبله رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعة عشر شهرا ، وكان رسول
الله صلى الله عليه وسلم يحب قبلة أبيه إبراهيم عليه السلام ويدعو الله تعالى وينظر إلى السماء ، فأنزل الله
( قد نرى تقلب وجهك في السماء ) [ البقرة : 144 ] الآية ) وذكر القصة . فأخبر ابن عباس
أن الفرض كان التوجه إلى بيت المقدس وأنه نسخ بهذه الآية . وهذا لا دلالة فيه على قول
من يقول : إن الفرض كان التوجه إليه بلا تخيير ، لأنه جائز أن يكون كان الفرض على
وجه التخيير وورد النسخ على التخيير وقصروا على التوجه إلى الكعبة بلا تخيير ، وقد
روي أن النفر الذين قصدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة للبيعة قبل الهجرة كان فيهم
البراء بن معرور ، فتوجه بصلاته إلى الكعبة في طريقه وأبى الآخرون وقالوا : إن النبي صلى الله عليه وسلم
يتوجه إلى بيت المقدس ، فلما قدموا مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، فقالوا له :
فقال : ( قد كنت على قبلة - يعني بيت المقدس - لو ثبت عليها أجزك ) ولم يأمره
باستئناف الصلاة . فدل على أنهم كانوا مخيرين وإن كان اختار التوجه إلى بيت المقدس .
فإن قيل : قال ابن عباس : ( إن ذلك أول ما نسخ من القرآن الأمر بالتوجه إلى بيت
المقدس ) ؟ قيل له : جائز أن يكون المراد من القرآن المنسوخ التلاوة ، وجائز أن يكون
قوله : ( سيقول السفهاء من الناس ما وليهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ) وكان نزول
ذلك قبل النسخ وفيه إخبار بأنهم على قبلة غيرها ، وجائز أن يريد أول ما نسخ من القرآن
فيكون مراده الناسخ من القرآن دون المنسوخ . وروى ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس
قال : ( أول ما نسخ من القرآن شأن القبلة ، قال الله تعالى : ( ولله المشرق والمغرب فأينما
تولوا فثم وجه الله ) [ البقرة : 115 ] ثم أنزل الله تعالى : ( سيقول السفهاء من الناس ما
ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ) إلى قوله ( فول وجهك شطر المسجد الحرام ) .
أحكام القرآن — صفحة 103
مساهمون: الجصاص
ص١٠٣