قال أبو بكر : وقوله : ( فأينما تولوا فثم وجه الله ) ليس بمنسوخ عندنا ، بل هو
مستعمل الحكم في المجتهد إذا صلى إلى غير جهة الكعبة وفي الخائف وفي الصلاة على
الراحلة ، وقد روى ابن عمر وعامر بن ربيعة : أنها نزلت في المجتهد إذا تبين أنه صلى
إلى غير جهة الكعبة ، وعن ابن عمر أيضا : أنه فيمن صلى على راحلته . ومتى أمكننا
استعمال الآية من غير إيجاب نسخ لها لم يجز لنا الحكم بنسخها . وقد تكلمنا في هذه
المسألة في الأصول بما يغني ويكفي .
وفي هذه الآية حكم آخر ، وهو ما روى حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس بن
مالك : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي نحو البيت المقدس فنزلت : ( فول وجهك شطر المسجد
الحرام ) فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم : قد أمرتم أن توجهوا وجوهكم شطر المسجد
الحرام ) فحولت بنو سلمة وجوهها نحو البيت وهم ركوع . وقد روى عبد العزيز بن
مسلم ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر قال : ( بينما الناس في صلاة الصبح بقباء إذ
جاءهم رجل فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه قرآن وأمر أن يستقبل الكعبة ، ألا
فاستقبلوها ! فاستداروا كهيئتهم إلى الكعبة ، وكان وجه الناس إلى الشام ) . وروى إسرائيل
عن أبي إسحاق عن البراء قال : ( لما صرف النبي صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة بعد نزول قوله تعالى :
( قد نرى تقلب وجهك في السماء ) مر رجل صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم على نفر من الأنصار
وهم يصلون نحو بيت المقدس فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صلى إلى الكعبة ! فانحرفوا قبل
أن يركعوا وهم في صلاتهم ) .
قال أبو بكر : وهذا خبر صحيح مستفيض في أيدي أهل العلم قد تلقوه بالقبول
فصار في حيز التواتر الموجب للعلم ، وهو أصل في المجتهد إذا تبين له جهة القبلة في
الصلاة أنه يتوجه إليها ولا يستقبلها ، وكذلك الأمة إذا أعتقت في الصلاة إنها تأخذ
قناعها وتبني . وهو أصل في قبول خبر الواحد في أمر الدين ، لأن الأنصار قبلت خبر
الواحد المخبر لهم بذلك فاستداروا إلى الكعبة بالنداء في تحويل القبلة . ومن جهة أخرى
أمر النبي عليه السلام المنادي بالنداء في تحويل القبلة ، ولولا أنهم لزمهم قبول خبر
الواحد لم يكن لأمر النبي عليه السلام بالنداء وجه ولا فائدة .
فإن قال قائل : من أصلكم أن ما يثبت من طريق يوجب العلم لا يجوز قبول خبر
الواحد في رفعه ، وقد كان القوم متوجهين إلى بيت المقدس بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم إياهم
عليه ثم تركوه إلى غيره بخبر الواحد ! قيل له : لأنهم لم يكونوا على يقين من بقاء الحكم
أحكام القرآن — صفحة 105
مساهمون: الجصاص
ص١٠٥