وكذلك روي في الأثر عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم .
فأما الصقر والبازي والشاهين وجميع الجوارح فما قتلت فليس بذكي
لأنها لا تأتمر إذا أمرت ، ولا تأتي إذا دعيت لغير طعم ولا تذهب إذا
أمرت ، والكلاب تأتي إذا دعيت ، وتذهب إذا زجرت ، وذلك فهو
التكليب بعينه ، لان التكليب فهو الائتمار ، وما سمينا من جوارح الطير
فلا تأتمر وإنما يأتي إلى الطعم إذا رآه ويطير إلى صيد إذا أبصره في وقت
جوعه وحاجته إلى طعمه طلبا منه لقوته ، فإذا شبع لم يطرد إن طرد ، ولم
يرجع إلى صاحبه إن دعاه وما كان هكذا فهو بعيد ن الائتمار ، وما بعد
من الائتمار بعد من التكليب .
وأما الفهد فإن كان في الحالة كالكلب في ائتماره في إقباله وإدباره
وإغرائه وتكليبه في حال شعبه وجوعه فحال صيده كحال صيد الكلب ،
وإن كان مخالفا للكلب في معاني الائتمار والتكليب فالاكل لما قتل غير
مصيب .
حدثني أبي عن أبيه : أنه سئل عما قتل الكلب والصقر ، فقال :
ما قتل الكلب المعلم فحلال عندي أكله وذكاة ما قتل الكلب المعلم فهو
قتله له ويؤكل ما قتل وإن كان أكله إلا أقله ، ولا أعلم فيما أجبتك به في
هذا اختلافا بين أحد من النساء إلا شيئا ذكر فيه من خلاف عن ابن
عباس فإنه ذكر عنه أنه كأن يقول : لا يؤكل ما أكل الكلب المعلم من
صيده فإنه إنما أمسك الصيد إذا أكله على نفسه لا على مرسله ، وظننت
أن ابن عباس تأول في ذلك قول الله جل ثناؤه : * ( فكلوا مما أمسكن
عليكم ) * ( 2 ) فكأنه عند ابن عباس أكله له غير امساك منه على مرسله وهو
عندي قد يمسك بالقتل أكبر الامساك ، والمذكور المشهور أن عدي بن
هامش
( 2 ) المائدة 4 .