بالكتاب تارة وبالسنّة أخرى ، وتضاربت هناك آراؤهم وكلّ منها يكذّب الآخر ، كما أنّ كلّا من قائليها يزيّف قول الآخر ، فمن قائل : نسخت بقوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ
« 1 » .
ومن قائل بنسخها بقوله سبحانه :
وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ * إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ
« 2 » . نظرا إلى أنّ المنكوحة متعة ليست بزوجة ولا ملك يمين .
وثالث يقول : إنّها نسخت بآية الميراث إذ كانت المتعة لا ميراث فيها .
هذه كلّها دعاو فارغة ، أيحسب امرؤ أن تخفى هذه الآيات وكونها ناسخة لآية المتعة على أولئك الصحابة وفيهم من المجوّزين لها من عرفت ، وفيهم من فيهم ، وفي مقدّمهم سيّدنا أمير المؤمنين العارف بالكتاب قذاذاته وجذاذاته ، وقد مرّ في صحيفة ( 72 ) عن الحرالي قوله : قد علم الأوّلون والآخرون أنّ فهم كتاب اللّه منحصر إلى علم عليّ . فكيف ذهب عليه وعلى مثل ابن عبّاس ترجمان القرآن نسخ هذه الآيات آية المتعة ، وذهبوا إلى إباحتها وما أصاخوا إلى قول أيّ ناه عنها ؟ فالمتمسّكون بهذه الآيات في النسخ ممّن أخذوا ؟ ومن أين أتاهم هذا العلم المساوق للجهل ؟
وإن صدقت الأحلام وكان ابن عبّاس روى النسخ ببعضها كما عزوا إليه « 3 » ورأى مع ذلك إباحتها وقال بها إلى آخر نفس لفظه ، وتبعته فيها أمّة كبيرة فالمصيبة أعظم وأعظم ، وحاشاه أن تكون هذه سيرته وهذا مبلغ ثقته وأمانته بودائع العلم والدين .
على أنّ الآية الأولى إنّما أراد سبحانه بها من تبين بالطلاق لا مطلق البينونة ،
هامش
( 1 ) الطلاق : 1 .
( 2 ) المؤمنون : 5 - 6 .
( 3 ) أحكام القرآن للجصّاص : 2 / 178 [ 2 / 147 ] ، سنن البيهقي : 7 / 206 . ( المؤلّف )