تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة الغدير في الكتاب والسنة والأدب ( ط دائرة المعارف ) — صفحة 511

مساهمون:

ص٥١١
عيسى من أحسن الناس وجها ، وأحلاهم قدّا ، وأظرفهم طبعا ومنطقا ، وكان يجلس إلينا ويكتب عنّا أشعارنا ، وجميعنا يحبّه ويميل إليه ، وهو حينئذ صبيّ في الكتّاب ، فعشقه سعد الورّاق عشقا مبرّحا وأخذ يعمل فيه الأشعار ، فمن ذلك وقد جلس عنده في دكّانه قوله :
اجعل فؤادي دواة والمداد دمي * وهاك فابر عظامي موضع القلم وصيّر اللوح وجهي وامحه بيد * فإنّ ذلك برء لي من السقم ترى المعلّم لا يدري بمن كلفي * وأنت أشهر في الصبيان من علم
ثمّ شاع بعشق الغلام في الرّها خبره ، فلمّا كبر وشارف الائتلاف ، أحبّ الرهبنة وخاطب أباه وأمّه في ذلك ، وألحّ عليهما حتى أجاباه وخرجا به إلى دير زكّي بنواحي الرقّة « 1 » وهو في نهاية حسنه ، فابتاعا له قلّاية « 2 » ودفعا إلى رأس الدير جملة من المال عنها ، فأقام الغلام فيها وضاقت على سعد الورّاق الدنيا بما رحبت ، وأغلق دكّانه ، وهجر إخوانه ، ولزم الدير مع الغلام ، وسعد في خلال ذلك يعمل فيه الأشعار ، فممّا عمل فيه وهو في الدير والغلام قد عمل شمّاسا « 3 » :
يا حمّة « 4 » علت غصنا من البان * كأنّ أطرافها أطراف ريحان قد قايسوا الشمس بالشمّاس فاعترفوا * بأنّما الشمس والشمّاس سيّان فقل لعيسى بعيسى كم هراق دما * إنسان عينك من عين لإنسان
ثمّ إنّ الرهبان أنكروا على الغلام كثرة إلمام سعد به ، ونهوه عنه وحرموه إن أدخله ، وتوعّدوه بإخراجه من الدير إن لم يفعل ، فأجابهم إلى ما سألوه من ذلك .
هامش
( 1 ) الرقّة كلّ أرض منبسطة جانب الوادي يعلوها الماء وقت المد . ولا يظنّ أنّ الرقّة البلد الذي على شاطئ الفرات ، فإنّ الرّها بين الموصل والشام . ( المؤلّف ) ( 2 ) القلّاية : مسكن الأسقف . ( 3 ) كلمة سريانية معناها : الخادم . ( المؤلّف ) ( 4 ) الحمّة : السواد ، يريد بذلك شعر الرأس .