وما إن جلست في أحد الأواوين ، وأنا أحدّث نفسي إذ أقبل إليّ الخطيب المفوّه الشيخ محسن أبو الحب ، وهو أبرز خطيب في كربلاء في حينه . . .
بعد السّلام والتحية دعاني إلى داره القريبة للاستراحة وتناول طعام الفطور ، فأجبت الدعوة وكان الوقت صيفا .
جلسنا في المكان المعدّ لنا في حديقة داره ، وبعد استراحة قصيرة قلت له :
أرني مكتبتك . .
رافقني إلى مكتبته ، وإذا بها مكتبة عامرة كمّا وكيفا ، ورحت أجول بين الكتب أقلّب هذا واتفحّص ذاك ، وأمعن النظر في آخر ، وفيما أنا كذلك ، وإذا بي أشاهد ضالتي المنشودة . . انه كتاب « ربيع الأبرار » للزمخشري .
ولما مسكته بيدي وتأكدّت أنه هو لا غيره خنقتني العبرة وأجهشت بالبكاء ، فجاءني صاحبي مستغربا ومستفسرا ، فحدّثته عن قصة الكتاب والرؤية ، وكيف أن الامام عليه السّلام حوّلني على ولده الذي قادني إليك وإلى مكتبتك والكتاب . . .
وفيما يسمع الشيخ محسن أبو الحب تلك الحكاية ، ترقرقت عيناه بالدموع هو الآخر ، وقال لي :
« شيخنا الجليل ، إن هذا الكتاب الخطيّ يعتبر من النوادر ، وإن قاسم محمد الرجب « وهو صاحب أكبر مكتبة في بغداد آنذاك » وهي مكتبة المثنى ، دفع لي مبلغ ألف دينار « 1 » لشرائه وطبعه ولكني رفضت ذلك . . . »
هامش
( 1 ) كانت الألف دينار في حينها تعتبر مبلغا ضخما ، ويكفي لشراء دار فخمة في أرقى المدن وأفضل المناطق .