ورود منهله العذب يجد فيه البحث والتنقيب حول كثير من براهين الإمامة ، والاكتساح لطوائف من الأشواك المتكدّسة أمام سير السالكين ، ودحض ما هنالك من قوارص تشقّ العصا ، وتفرّق الكلمة ، والكشف عمّا وراء الأكمة من نوايا سيّئة ، ومعاول هدّامة ، والتنزيه لأمّته عمّا ألصقت بها أقلام مستأجرة من شية العار ، وشوّهت سمعتها سماسرة الأهواء بأساطيرهم المائنة ، وهنالك مسائل جمّة من فقه وكلام وتفسير وحديث وتاريخ كشف عنها الغطاء بعد تمويه متطاول ، وإصفاق عليه متواصل ، بعد ما تصادمت عليه نزعات وأهواء ، واحتدمت إحن وشحناء .
ما أسفت كأسفي على عصر الثقافة والتنقيب ، عصر النور والتفاهم ، هذا العصر الذي تمخّضت فيه الحقائق ، وظهرت البواطن ، وعرفت المغازي ، وتمرّنت الأحلام ، بتحرّي كلّ صحيح ، وتحكيم الأصول الثابتة ، أن يحصل فيه دجّالون يقتصّون أثر أولئك الماضين الذين نمتهم العصور المظلمة ، فطفقوا يعشون في حلك العمى ، ويتخبّطون في طخيات جهل دامسة ، فيعثرون بكلّ ربوة ، ويسفّون إلى كلّ هوّة ، ولهم قلوب لا يفقهون بها ، وعيون لا تبصر ضوء الحق ، وأسماع لا تصيخ إلى هتافه .
وشتّان بين هؤلاء وأولئك فإنّ قضاء الطبيعة كان يلزم من عاصرناه بالتكهرب بمقتضيات الوقت من علم وهدى ، لكن الحقد المتضرّم أبى للقوم إلّا أن يخلدوا إلى حمأة التعصّب الشائن ، وحسبوا أن لا رقيب ولا محاسب ، ولا أنّ الحفظة الكرام يكتبون ما يتقوّلون ، واللّه من ورائهم محيط .
أو يحسبون أنّ من يقعون فيه ويتهجّمون عليه إحدى الأمم البائدة قد أكل عليها الدهر وشرب ؟ فلم يبق من يدافع عن كيانها ، أو يناضل عن معتقداتها ويبرزها بجمالها المبهج ، وجلالها المرهب ، ومحيّاها الوضّاح ، وكأنّهم في سنة عن
موسوعة الغدير في الكتاب والسنة والأدب ( ط دائرة المعارف ) — صفحة 335
مساهمون: الشيخ عبد الحسين الأميني (العلامة الأميني)
ص٣٣٥