ومن بليغ المديح ، ما أنشدناه أبو أحمد في جملة خبر أخبرناه عن أبيه عن أحمد بن أبي طاهر النديم عن عبد اللّه بن السري عن أحمد بن سليمان قال : قال عبد اللّه بن زيد القسري : كنت قائما على رأس ابن هبيرة « 1 » وعنده سماطان من وجوه الناس ، إذ أقبل شاب لم أر مثل جماله وكماله ، فقال : أصلح اللّه الأمير إني امرؤ فدحته كربة ، وأوحشته غربة ، ونأت به الدار وأقلقه الإمعار ، وحل به عظيم خذله أخلاؤه وشمت به أعداؤه ، وجفاه القريب وأسلمه البعيد ، فقمت مقاما لا أرى فيه معولا ولا جازى نعمه إلا رجاء اللّه [ 92 ز ] تعالى ، وحسن عائدة الأمير وأنا - أصلح اللّه الأمير - ممن لا تجهل أسرته ولا تضيع حرمته ، فإن رأى الأمير أن يسد خلتي ، ويجبر خصاصتي فعل ، فقال ابن هبيرة : ممن الرجل ؟ قال من الذين يقول لهم القائل :
فزارة بيت المجد والعزّ فيهم * فزارة قيس حسب قيس فعالها
لها العزة القعساء [ 1 ] والشرف الذي * بناه لقيس في القديم رجالها
وهل أحد إن مدّ يوما بأنفه * إلى الشمس في جوّ السماء ينالها
لهيهات ما أعيا القرون التي مضت * مآثر قيس واعتلاها خصالها
فقال ابن أبي هبيرة : إنّ هذا الأدب حسن مع ما أرى من حداثة سنك ، فكم أنت لك ؟
قال تسع وعشرين - فلحن الفتى - فتبسم ابن هبيرة كالشامت به [ 2 ] وقال : ألحن أيضا مع جميل ما أتى عليه منطقك ، شبته بأقبح عيب ، فأبصر الفتى ما وقع فيه ، فقال :
إن الأمير - أصلحه اللّه تعالى - عظم في عيني وملأت هيبته صدري فنطق لساني بما لا يعرفه قلبي . فقال له ابن أبي هبيرة : وما على أحدكم أن يتعلم العربية فيقيم بها أوده ويحضر بها سلطانه ، ويزين بها مشهده ويتبوأ [ 3 ] بها على خصمه ، أو
هامش
[ 1 ] قعس : عزّ ومنع وثبت .
[ 2 ] ساقطة من ( ن ) .
[ 3 ] وينوء في ( ج ) و ( ن ) و ( م ) .
( 1 ) هو أبو المثنى ، عمر بن هبيرة بن سعد بن عدي الفزاري ، أمير من الدهاة الشجعان . طبقات الشعراء 287 - 292 والأعلام 5 / 231 .