بانوا ، فكلّ نعيم بعدهم كمد * باق ، وكلّ مساغ بعدهم شرق « 1 »
أراك تجزع للقوم الذين مضوا ، * فهل أمنت على القوم الذين بقوا
لا يلبث المرء يبلي شرخ جدّته ، * من الزّمان جديد ما له خلق
هدى الغرام دموعي في مسالكه * عليهم ، وأضلّت صبري الطّرق
وكيف ينعم بالتّغميض بعدهم * عين أعان عليها الدّمع والأرق
إنّي لأعجب بعد اليوم من كبد * تدمى لهم كيف تندى وهي تحترق
الزمن الأنيق
( الكامل )
اجتاز الشاعر بقبر أبي إسحاق إبراهيم بن هلال الصابي الكاتب فتذكر ما كان بينهما من المودة ، ونظم هذه القصيدة ، وذلك في جمادى الأولى سنة 393 .
لولا يذمّ الرّكب عندك موقفي ، * حيّيت قبرك ، يا أبا إسحاق
كيف اشتياقك مذ نأيت إلى أخ * قلق الضّمير إليك بالأشواق
هل تذكر الزّمن الأنيق ، وعيشنا * يحلو على متأمّل ومذاق
وليالي الصّبوات ، وهي قصائر ، * خطف الوميض بعارض مبراق
لا بدّ للقرباء أن يتزايلوا * يوما ، بعذر قلى وعذر فراق
أمضي وتعطفني إليك نوازع ، * بتنفّس كتنفّس العشّاق
وأذود عن عيني الدّموع ولو خلت * لجرت عليك بوابل غيداق
ولو انّ في طرفي قذاة من ثرى ، * وأراك ما قذّيتها من مآقي « 2 »
هامش
( 1 ) المساغ : الذي يسهل مشربه - الشرق : الغصّة .
( 2 ) قذيتها : أخرجت منها القذى .